حين تصبح التهمة مرآة الكرامة

بقلم الباحثة المغربية د. فاطمة ميرات

قراءة نقدية في حوار محمد إقبال حرب حول” الزنديق”

يضعنا الحوار الذي أجراه ضياء الدين حامد مع الكاتب محمد إقبال حرب حول مجموعته القصصية “الزنديق” أمام كتابة تتخذ من الأدب مجالا لمساءلة الإنسان في علاقته بالسلطة، ومن الحرية أفقا يتجاوز حدود الشعار إلى امتحان الوجود الإنساني في شروطه السياسية والاجتماعية والروحية.

وتنبع أهمية هذا الحوار من الأسئلة التي يثيرها بشأن تاريخ الإقصاء الكامن في الكلمات، والآليات التي تجعل الاختلاف تهمة، والتفكير خروجا على المألوف، والمطالبة بالكرامة فعلا يستدعي العقاب. وبذلك يغدو الأدب فضاء لمواجهة التصورات التي تضيق بحرية الإنسان، ومجالا لإعادة النظر في القيم التي تحكم علاقته بذاته وبالعالم المحيط به.

ومن هذا المنطلق، تكتسب كلمة “الزنديق” دلالة تتجاوز حمولتها الاصطلاحية الموروثة، إذ تتحول إلى موضع صراع بين سلطة تمنح الأسماء لتضبط بها حدود المقبول، وذات إنسانية تستعيد حقها في التفكير والاختيار. 

وتكمن المفارقة في أن التهمة التي يراد بها الإدانة قد تنقلب إلى مرآة تكشف طبيعة الجهة التي تطلقها، وتفضح هشاشة النظام الذي يخشى السؤال الحر والضميرالمستقل.  وهكذا يصبح العنوان مدخلا إلى مساءلة المعايير التي تنتج الإقصاء وتمنحه مشروعيته، وتغدو إعادة تأويله فعلا نقديا يستكشف المسافة بين سلطة التسمية وحق الإنسان في تعريف ذاته.

وتتضح أبعاد هذه المساءلة حين ينتقل الحوار إلى ترابط أشكال الهيمنة، فالسلطة السياسية، حين تستند إلى خطاب ديني مسيس وتتحالف مع المال والجهل، تستطيع محاصرة الإنسان من جهات متعددة، وتقديم التبعية في صورة قدر طبيعي أو واجب أخلاقي. وتكمن خطورة الاستبداد، وفق هذا التصور، في قدرته على التسلل إلى وعي المقهور، حتى يغدو القيد جزءا من نظرته إلى العالم، ويتحول الخوف إلى حارس داخلي للمنظومة التي تستعبده. لذلك يتسع سؤال الحرية ليشمل تفكيك البنى التي تعيد إنتاج الخضوع، وتحرير الوعي من التصورات التي تحول الامتثال إلى فضيلة، واستعادة قدرة الإنسان على الرؤية والتفكير والاختيار.

وفي قلب هذه المواجهة، تتجلى جرأة محمد إقبال حرب في اقتحام المساحات الشائكة التي تتقاطع فيها السلطة السياسية والدين المسيس، وفي استثمار الكتابة القصصية لمساءلة القيود التي تطوق حرية الأفراد والجماعات وتصادر حقهم في الكرامة والاختلاف. ففي مناخ تضيق فيه آفاق التعبير تحت وطأة الرقابة، وتتداخل فيه المرجعيات الدينية مع الحسابات السياسية، يغدو اقتراب الأديب من هذه القضايا مغامرة فكرية وجمالية تستدعي شجاعة السؤال واستقلال الرؤية. ومن هنا تتبدى سلطة الإبداع بوصفها قدرة على فتح منافذ للقول في المساحات المحاصرة، وإعادة الاعتبار للأصوات التي تسعى منظومات الهيمنة إلى تهميشها أو إسكاتها.

فالكتابة في هذا الأفق، تستمد قوتها من قدرتها على تفكيك الخطابات التي تحتكر الحقيقة، وكشف الكيفية التي يتحول بها المقدس، حين يستغل لخدمة المصالح، إلى أداة لتبرير الإخضاع وتقييد حرية الضمير. وتزداد هذه الجرأة دلالة حين يتخذ الكاتب من الكرامة الإنسانية منطلقا للمساءلة، فيجعل من الأدب مجالا لمقاومة الاستلاب، واستعادة حق الإنسان في السؤال والتفكير والمشاركة في صياغة مصيره. وبذلك  يتحرر الفعل الإبداعي عند الكاتب محمد إقبال حرب من حدود القول المألوف، ويغدو فضاء تتجدد فيه إمكانات الحرية، وتختبر فيه قدرة الكلمة على مواجهة سطوة السلطة.

ويقر القاص في هذا الحوار أن  هذه الرؤية تجد امتدادها الرمزي في القصص التي يستحضرها في هذه الأضمومة  القصصية، ولا سيما في قصة “انتبه لخطوتك” و”ثورة الأحذية”، حيث تنفتح الأشياء اليومية على طاقة إيحائية تتجاوز وظيفتها المادية. فالحذاء، بما يرتبط به من خطوة وطريق وحركة، قد يتحول في هذا المعطى إلى علامة دالة على المبادرة، وعلى العلاقة بين الجسد الذي يسير والجهة التي ترسم له مساره. أما في “ثورة الأحذية”، فالكاتب يكسب هذا  الرمز بعدا احتجاجيا، حيث تغدو الأحذية، في أفق التأويل الذي يقدمه ، صوتا للأشياء التي طال صمتها، وصورة للذين حرموا من امتلاك القرار في مصائرهم. وتنبع قوة هذه الصورة من قدرتها على قلب مراتب الأشياء في دلالتها المعللة، حيث يتحول ما كان يبدو هامشيا أو خاضعا في ترتيب العالم ليصبح قادرا على كشف اختلال هذا الترتيب.

ويفتح هذا التوظيف الرمزي أفقا أوسع للتأمل في العلاقة بين اليومي والسياسي، إذ تنطلق الدلالة الاحتجاجية من عنصر  إعتباطي مألوف، ثم تتسع لتلامس بنية العلاقات الاجتماعية وآليات توزيع القوة. فالحذاء قد يستمد معناه هنا من موقعه داخل شبكة من الأسئلة:

– من يمشي؟

– من يرسم الطريق؟

– ومن يملك حق الاعتراض؟

وبذلك يتحول الشيء البسيط إلى لغة موازية لخطاب السلطة، وتغدو الصورة وسيلة لاستنطاق المسكوت عنه في التجربة الإنسانية.  وتتجلى هنا إحدى إمكانات الكتابة القصصية:

قدرتها على تكثيف قضية اجتماعية واسعة في تفصيل محسوس، يظل أثره عالقا في المخيلة بعد انقضاء الحكاية.

ومن الرمز الاحتجاجي إلى المأساة الإنسانية، تبرز قصة “دين الفناء”، كما يقدمها الحوار، بوصفها مدخلا إلى مساءلة العلاقة بين الفقر والكرامة. فالشروط الاجتماعية القاسية قد تدفع الفرد إلى حافة اليأس، وتضعه أمام اختيارات مأساوية تكشف عمق الخلل في العالم الذي يعيش فيه. وتكتسب هذه الإحالة أهميتها من رد المصير الفردي إلى سياقه الاجتماعي، بما يتيح مساءلة واقع يضيق على الإنسان حتى تصبح حياته نفسها موضع مفاضلة قاسية. وتظل الدلالة مفتوحة على مزيد من الدلالات اللامتناهية، إذ تتحدد أبعاد المأساة، في القراءة التفصيلية، من خلال تشكل الشخصيات، وتطور الأحداث، وبناء النهاية، وطبيعة العلاقة التي يقيمها السرد بين الفرد والعالم المحيط به.

وفي قلب هذه العلاقات المتشابكة، يحتل مفهوم المعرفة موقعا أساسيا، حيث تتيح للإنسان فهم موقعه في العالم، ومساءلة ما يفرض عليه، وكشف الأقنعة التي تتوارى خلفها المصالح. وبهذا المعنى، تصبح المعرفة فعل تحرر، لأنها تعيد إلى الفرد القدرة على التمييز بين

الإيمان بوصفه تجربة روحية،

وتوظيف الدين أداة للسيطرة، وبين السلطة بوصفها تنظيما

للحياة المشتركة، والاستبداد حين يتحول إلى امتياز يحتكر القرار والمصير. ومن ثم تتصل مقاومة الهيمنة بتحرير الوعي، إذ تتيح القدرة على تسمية القهر وفهم آلياته الانتقال من المعاناة الصامتة إلى إدراك شروطها وإمكانات مناهضتها وتغييرها .

ولا يقف هذا التصور عند حدود الحرية السياسية والاجتماعية،  إذ يمتد إلى أعماق الذات، حيث تتردد في الحوار صورة الإنسان الباحث عن طفولته، عن روحه ووطنه. كما  قد تحيل الطفولة على البراءة الأولى التي جرحتها التجربة، وتستدعي الروح توق الإنسان إلى استعادة وحدته الداخلية، فيما يجسد الوطن الحاجة إلى الأمان والانتماء والكرامة. ومن خلال هذه الصور، تتجاور الحرية الخارجية والحرية الداخلية، ويغدو استرداد الإنسان لذاته خطوة نحو استعادة علاقته بالعالم، والمشاركة في صنع مستقبل أكثر عدلا وإنسانية.

على أن الانتقال من الرؤية الفكرية التي يكشف عنها الحوار إلى القيمة الفنية للمجموعة، يقتضي النظر في الكيفية التي تتجسد بها الأفكار داخل هذا البناء القصصي. فتصريحات الكاتب تضيء أفقه الفكري، وتمنح القارئ مفاتيح أولية لتلمس أسئلته، بينما تظل النصوص مجال الاختبار الجمالي الفعلي. ومن هنا تبرز أسئلة تتعلق بتوزيع الرؤية بين أصوات الشخصيات، ومدى احتفاظ كل صوت بخصوصيته النفسية والاجتماعية، والطريقة التي يوازن بها السرد بين وضوح الموقف وثراء التأويل.

إن هذه الأسئلة تمهد لقراءة تتقصى تحول الفكرة إلى صورة، والموقف إلى بنية فنية، والرؤية إلى تجربة إنسانية نابضة، تتعدد فيها مستويات الدلالة بتعدد  القراءات وزوايا النظر.

وفي ضوء ذلك، تتحدد أهمية الحوار في إعادته الكرامة الإنسانية إلى قلب السؤال الأدبي، وجعله الحرية معيارا لقراءة علاقة الفرد بمؤسسات القوة وبالموروثات التي تشكل وعيه.

فالكتابة، في الأفق الذي يرسمه محمد إقبال حرب، تمنح الإنسان المختزل فرصة استعادة صوته، وتفتح للهامش مجالا لمساءلة المركز حين يحتكر حق تعريف الحقيقة. ومن هنا تكتسب “الزنديق” دلالتها بوصفها تسمية قابلة لإعادة التأويل، فهي تحيل على صوت يصر على استقلال ضميره، وعلى سؤال يواصل مساءلة اليقين حين يتحول إلى أداة لإسكات الآخرين.

وإذ نهنئ الكاتب محمد إقبال حرب بصدور أضمومته  القصصية “الزنديق، فإننا نحيي فيه جرأة الاختيار ومغامرة الاقتراب من الأسئلة الشائكة، واستدعاء الإنسان إلى قلب المساءلة الأدبية والفكرية.

إنه إصدار مختلف في موضوعه وجرأته، يفتح أفقا للتأمل في الحرية والكرامة وآليات الهيمنة، ويضع القارئ أمام أسئلة تمس ضمير الواقع وتستفز قدرته على التفكير والمراجعة. وكل إصدار يغامر بطرح الأسئلة المؤرقة للإنسان يستحق أن يقرأ بإنصات، وأن يناقش بوعي، وأن يحتفى به بوصفه إضافة تثري المشهد الثقافي وتوسع مساحات الحوار.

فتهانينا للكاتب محمد إقبال حرب على هذه المغامرة الإبداعية، مع أطيب التمنيات للمجموعة بمسار قرائي ونقدي يوازي ما تثيره من أسئلة وما تنطوي عليه من إمكانات للتأويل.

ولعل السؤال الذي ظل مفتوحا في ختام هذا الحوار هو: متى تصبح التهمة دليلا على خوف السلطة من حرية الإنسان، وكيف يستطيع الأدب أن يحول هذا الخوف إلى معرفة تكشف آليات القهر وتستعيد للكرامة صوتها؟

و عند هذه العتبة يلتقي الرهان الفكري بالرهان الجمالي، وتبدأ القراءة النقدية التي تنتظر تأمل وتشريح نصوص المجموعة لعلنا نختبر كيف تتحول الفكرة إلى صورة، والاحتجاج إلى بناء سردي، والإنسان المقهور إلى شخصية تستعيد، عبر اللغة، حقها في المشاركة، في صناعة المعنى ومساءلة العالم.

الباحثة المغربية د. فاطمة ميرات

اترك تعليقًا