أهميّة النصّ في العمل المسرحي

اللُّغةُ والحركةُ والأشكالُ كما الألوانُ، رموزٌ تَوافقنا عليها كمجموعاتٍ بشريَّةٍ لتُشكِّلَ صيغةَ تفاهُم بهدفِ إيصالِ الفكرةِ. الحقيقةُ الدَّامِغةُ هي أنَّ اللُّغةَ تُعتبرُ المؤثِّرَ الأكبرَ والوسيلةَ الأنجع للتواصُل بين البشرِ، ورُغمَ تعدُّدِ اللُّغاتِ، يتجاوزُ الإنسانُ الاختلافَ عن طريقِ الترجمةِ والتقارُبِ اللُّغوي.

لُغاتُ التواصُلِ الأُخرى منتشرةٌ لكن ليس بالقوَّةِ نفسِها التي تحظى بها اللُّغاتُ الأبجديَّةُ، الفنُّ التشكيلي، الموسيقى، النحتُ، لغةُ الجسدِ… وغيرُها. على سبيلِ المثال، لحركاتِ الجسدِ تعابيرُ تفوقُ اللُّغةَ أحيانًا، يمارسُها الجميعُ لكنَّ قلّةً من المُتخصِّصين يدرُسونها ويغوصون في دلالاتِها ورُموزِها التي يصعُبُ على مؤدِّيها تفسيرُها.

هذه الرُّموزُ التي تصنعُ لُغةً ما، تتغيَّرُ وتتبدَّلُ، عِبر العصورِ، لتواكِبَ تطوُّرَ الفِكرِ الإنسانيّ وتغيُّرَ المفاهيمِ الاجتماعيَّةِ، فضلًا عن التغيُّراتِ السياسيَّةِ ومفاهيمِ الجمالِ والقبُحِ. وحدَه المسرحُ، من بين أنواعِ الفُنون، قادرٌ على جمعِ هذه اللُّغاتِ والرُّموزِ في مكانٍ واحِد، ضيِّقٍ مهما رحُبَ.

يستخدمُ المسرحُ لُغاتِ التواصُلِ بحِرفيَّةٍ وبراعةٍ، ويستغلُّ، بواسطتها، كلَّ ثانيةٍ، وكلَّ مِساحةٍ مُمكنةٍ، إضافةً إلى الضَّوءِ والَّلونِ والأشكالِ، ليبنيَ عالمًا خاصًا يخدِمُ الهدفَ المرجوَّ من العملِ المسرحي. كذلك يستغلُّ لُغةَ الجسدِ والحركةِ بأسلوبٍ مُذهل يُغني عن الكلام ويعبِّرُ كقصيدةٍ أزليَّةٍ،  وحدَه فنانٌ مبدعٌ  يُتقنُ كتابتَها، ويتلقاها الجُمهور كأنَّها مُنزَلةٌ من السَّماء.

يُعدُّ المسرحُ أحدَ أقدمِ الفُنونِ الإنسانيَّةِ وأكثرَها تعقيدًا، لأنه يجمعُ، في فضاءٍ واحدٍ، الأدبَ والفُنونَ البصريَّةَ والموسيقى والحركةَ والأداءَ الإنساني. ورُغم تعدُّدِ العناصِر المكوّنةِ للعرضِ المسرحي من إخراجٍ وتمثيلٍ وسينوغرافيا وإضاءةٍ ومؤثراتٍ صوتيَّةٍ، يبقى النصُّ المسرحي الحجرَ الأساسَ الذي تنبثقُ منه بقيَّةُ العناصر، لأنه يُشكِّلُ  النُّواةَ الفكريَّةَ والجماليَّةَ التي تمنحُ العملَ هُويَّتَه ومَعناه، وهو البِنيةُ التي تتشكَّلُ حولَها مُكوِّناتُ العرضِ.

مع ظُهورِ الاتجاهاتِ المسرحيَّةِ المُعاصرةِ التي تمنحُ العرضَ البصريَّ والجسديَّ مِساحةٍ أكبرَ من سُلطةِ الكلمة، شهِدت الدِّراساتُ المسرحيَّةُ الحديثةُ جدلًا واسعًا حول مركزيَّةِ النصِّ، إلا أنه بقيَ المرجعَ الذي يُستندُ إليه في بِناءِ الشخصيَّات والمكانِ وصياغةِ الرؤية الفكريَّةِ للعمل،  ويعود ذلك  للأسباب التالية برأينا:

أولًا: النصّ المسرحي بوصفِه الأساسَ الفكري للعمل

النصُّ المسرحيُّ ليس مُجرَّد حِوارات بين الشخصيَّات، بل هو منظومةٌ فكريَّةٌ متكاملةٌ  تتضمّنُ  رؤيةَ المؤلِّف للعالمِ والإنسانِ والمجتمعِ. من خلال النص يتمُّ:

  • طرحُ القضايا الفكريَّةِ والفلسفيَّة.
  • مناقشةُ المُشكلاتِ الاجتماعيَّةِ والسياسيَّةِ.
  • التعبيرُ عن القِيَم الأخلاقيَّةِ والإنسانيَّةِ.
  • استكشافُ الأسئلةِ الوجوديَّةِ الكُبرى.

في أعمال شكسبير لا نقرأُ قِصَّةً فحسب، بل نواجهُ تحليلاتٍ عميقةً في السُّلطةِ والطُّموحِ والحُبِّ والموت. كذلك الأمر بالنسبة إلى أعمال برتولت بريخت وتوفيق الحكيم، إذ يتحوَّلُ النصُّ إلى أداةِ تفكيرٍ وإعادةِ مُساءلةٍ للواقِع. من هنا نُدركُ أنَّ النصَّ ينبُضُ برسالةٍ فكريَّةٍ تُترجَمُ على خشبة المسرح.

ثانيًا: النصّ مصدرُ البِناء الدرامي.

يقوم النصُّ على الدراما، والدراما تقومُ على الصِّراع. والنصُّ مسؤول عن:

  • خلقِ الصِّراع.
  • تطويرِ الأحداث.
  • تنظيمِ الحبكة.
  • بناءِ الذُروَة.
  • الوصولِ إلى الحلِّ أو النهاية.

من دون نصٍّ مُحكَمِ البناء يُصبحُ العرضُ مشاهدَ متفرِّقةً تفتقرُ إلى الوَحدة والاتِّساق.

في كتابه “فنّ الشِّعر”، يؤكّدُ أرسطو أنَّ الحبكةَ هي روحُ العملِ الدرامي، ولا تتحقَّقُ إلا من خلال نصٍّ يمتلكُ تسلسُلًا منطِقيًّا للأحداثِ وعلاقةً سببيَّةً بين الوقائع.

من هنا نستطيعُ القولَ إنَّ النصَّ لا يقدِّمُ المادَّة الخام للعرضِ فحسب، بل يرسُمُ الهيكلَ الذي يحمِلُ عناصرَ العمل المسرحي كافة.

ثالثًا: النصّ وبناءُ الشخصيَّةِ المسرحيَّة:

الشخصيَّةُ المسرحيَّةُ لا تُعرَفُ من ملامِحها الخارجيَّة فحسب، إنما من خلال ما تقولُ وتفعلُ. يؤدي النصُّ دورًا أساسيًّا في:

  • رسمِ أبعادِ الشخصيَّات النفسيَّة.
  • تحديدِ خلفيَّاتِها الاجتماعيَّة.
  • الكشفِ عن دوافِعها ورغباتِها.
  • إبرازِ تحوُّلاتها الداخليَّةِ.

لا تعيشُ شخصيَّةُ هاملت أو ماكبِث أو شهريار في الذَّاكرةِ بسبب المُمثِّلِ وحدَه، بل لأنَّ النصَّ منحَها عُمقًا إنسانيًّا وفكريًّا جعلَها تتجاوزُ زمنَها التاريخي.

المُمثِّلُ  يفسِّرُ الشخصيَّةَ، أما النصُّ فيخلُقُها.

رابعًا: النصّ أداةُ تواصلٍ مع الجُمهور

الغايةُ النهائيَّةُ للمسرحِ هي التأثيرُ على المُتلقّي. يتحقَّقُ هذا التأثيرُ عِبر النصِّ من خلال:

  • الحوارِ
  • المونولوج
  • الرُّموزِ والدَّلالات.
  • الإيقاعِ اللُّغوي.
  • البِنيةِ الفكريَّة.

أثبتَ تاريخُ المسرح أنَّ نُصوصًا كثيرةً استمرَّت قرونًا طويلةً، حتى عندما تغيَّرت أساليبُ الإخراجِ والتمثيل، لأنَّ قُوَّتَها الفكريَّةَ واللُّغويّةَ قادرةٌ على مُخاطبةِ الإنسانِ في الأزمنةِ المُختلِفة.

خامسًا: النصّ بوصفه وثيقةً ثقافيَّةً وحضاريَّة

تُعتبرُ النُّصوصُ المسرحيَّةُ سِجلّاتٍ حيّةٍ للمُجتمعاتِ التي أنتجتها. فمن خلالِ النصِّ يُمكننا دراسةُ:

  • البِنيةِ الاجتماعيَّةِ.
  • القيَمِ السَّائدةِ.
  • العَلاقاتِ الطبقيَّةِ.
  • التصوُّراتِ الدينيَّةِ.
  • التحولُّاتِ السياسيَّةِ.

لذا، تُعدُّ النُّصوصُ المسرحيَّةُ مصادرَ مُهمَّةً في الدِّراسات التاريخيَّةِ والثقافيَّة.

يكشِف مسرحُ سوفوكليس طبيعةَ الفِكرِ الإغريقي، فيما تعكِسُ أعمالُ شكسبير روحَ عصرِ النَّهضةِ الإنكليزيَّةِ، وتعبِّرُ مسرحيَّاتُ بريخت عن صِراعات القرن العشرين الفكريَّةِ والسياسيَّةِ.

سادسًا: العلاقةُ بين النصِّ والعرضِ المسرحي:

شهِد القرنُ العشرون ظهورَ اتجاهاتٍ مسرحيَّةٍ قلَّلت من مركزيَّةِ النصِّ وأعلت شأنَ الصورةِ والحركةِ والجسَد. من أبرز هذه الاتجاهات:

  • المسرحُ الطقسي.
  • المسرحُ التجريبي.
  • مسرحُ الصُّورة.
  • بعضُ أشكالِ الأداءِ المُعاصِر.

هذه التجارِب، لم تستطِع إلغاءَ النصِّ بشكلٍ كامِل، بل استبدلت النصَّ التقليديَّ بأشكالٍ أُخرى من النُّصوص، تعتمدُ على الإشارةِ أو الحركةِ أو البِنية البصريَّة، وهذا يعني أنَّ المسرحَ لا يُمكنُه الاستغناءَ عن وجودِ نصٍّ بالمَعنى الواسِع للكلمة، أي وجودِ بِنيةٍ دلاليَّةٍ تُنظِّمُ عمليَّةَ التواصُلِ بين العرضِ والمُتلقّي.

سابعًا: النصُّ بين الثابت والمُتحوِّل:

يتميَّزُ النصُّ بخصوصيَّةٍ لا نجدُها في الشِّعر أو الرِّواية، فهو نصٌّ مكتوبٌ ليجسَّدَ على خشبةِ المسرح، لذلك هو يتجلَّى في مُستويين:

1- النصُّ المقروء.

2- النصُّ المعروض.

قد يُفسِّرُ المُخرجُ النصَّ بطُرقٍ مختلفةٍ، وقد يمنحُ المُمثِّلُ الشخصيَّةَ أبعادًا جديدةً، كما أنَّ الجُمهورَ قد يستنتجُ معاني لم يقصِدها المؤلِّفُ. لا ننسى “الكتابةَ الركحيَّةَ”، وهي عبارةٌ عن ارتجالاتِ المُمثِّل، خلال العرضِ، التي تُضيفُ المُثيرَ إلى النصِّ الأصلي. لكن، في النهاية، تولدُ “الكتابةُ الركحيَّةُ” من فضاءِ النصِّ الأصلي.

من هنا نستنتِجُ أن النصَّ هو نُقطةُ انطلاقٍ، لا نُقطةَ وصولٍ، وسيبقى المرجعَ الأساسي الذي تنبثقُ منه التأويلاتُ كافّة.

خاتمة:

رُغمَ التطوُّراتِ الكبيرةِ التي شهِدَها المسرحُ المُعاصرُ، يبقى النصُّ المسرحيُّ الأكثرَ تأثيرًا في تشكيلِ هُويَّةِ العملِ المسرحي.

يتألَّفُ العملُ المسرحيُّ، بلا شك، من عقلٍ وجسدٍ، نصٍّ ومُمثِّل، ويعملُ المُخرجُ على دمجِ رؤياه الخاصةِ وعُمقِ إدراكِه للنصِّ ليُحيلَ الكلمةَ إلى فِعلٍ، من خلالِ حِياكةِ نصٍّ جديدٍ يمزُج بين الدَّالِ والمدلولِ عبر مُتغيِّراتٍ كثيرة. قد يُبهرُ العرضُ المسرحيُّ العينَ بالإضاءةِ والديكور، لكنه لا يترُك أثرًا فِكريًّا عميقًا ما لم يستنِد إلى نصٍّ قادِرٍ على إنتاجِ المَعنى وإثارةِ الأسئلة.

أخيرًا، إذا كان المُمثلُ جسدَ المسرح، والمُخرجُ عينَه،  فإن النصَّ عقلُه وذاكرتُه وسببُ وجودِه ووعيِه، وليس مُجردَ عُنصرٍ مسرحي.

د.محمد إقبال حرب

اترك تعليقًا