بقلم الناقدة والمحاورة: د. سناء يحفوفي
يبرز اسم الرّوائي الدّكتور »محمد إقبال حرب« صوتًا متفردًا في المشهد الأدبي العربيّ المعاصر؛ فهو يطلّ علينا كفيلسوف يرتدي ثوب روائيّ، يجمع بين رهافة الشّاعر، وحنكة الرّوائي، وعمق المتخصّص في فلسفة الأديان. يغرس حرب مبضعه النّقدي في جسد الوجع القومي، محوّلاً إياه إلى رؤًى فلسفيّة كونيّة تتجاوز حدود الجغرافيا؛ حيث يغدو الإنسان في نصوصه “بيدقًا” مبرمجًا يواجه سطوة الخوارزميّة، وتتحوّل المأساة إلى “بكسلات” تشكّل لوحة العبث الرّاهن.
وفي محراب قصّته الأخيرة “اهرب” التي أثارت زوبعةً من الأسئلة الوجوديّة، نلتقي به لنفكّ شفرة الرّوح. على طاولة المقهى، وفي حضرة صمت الفناجين، نفتح مغاليق الحوار مع هذا المبدع، ونعبر معه من ضيق الأكواد إلى رحابة الرّؤى. هي دعوة مفتوحة ليخلع معطف “المخرج الغائب” ويترك خلفه ضجيج الخوارزميّة، ريثما نبني جسرًا من الودّ فوق محيط هُراء هذا العالم.
نجلس في سكون تام، بعيدًا عن صراخ “البيادق”، لنكتشف مع “إقبال” طعم الحياة حين تتلاشى الأكواد وتغدو الذّات جوهرة حقيقيّة ترفض العرض في متاحف العبث. فنجانك جاهز، والحديث يشرع في تجلية الحقيقة بلغةٍ عصيّةٍ على “السّيليكون”…
_ أهلاً بك يا من جعلتَ الوجع “بكسلاتٍ” ولوحةً فنيَّةً؛ المقهى الآن في سكونٍ تامٍّ، فلا أصوات لـ “أطفال الآلهة المسليّة” ولا رنين لـ “ديليفري الموت”. جلستنا هذه بعيدةٌ عن مِشرط النّقد وقيود التّفسير؛ هي محض دردشةٍ رقيقةٍ، نراقب فيها المارّة وهم يرسفون في أغلال برمجتهم، بينما نحن نرتشف قهوتنا بمرارة الحقيقة وعذوبة الحديث.
نرقب هدوء ملامحك بعيدًا عن صراخ “البيادق”، لنكتشف معًا طعم الحياة حين تتلاشى “الأكواد” وتغدو الذّات جوهرةً حقيقيّةً لا تباع في متاحف العبث.
فنجانك جاهزٌ، والحديث معك شيّق، فهل نشرع في فكّ شِفرة الرّوح بلغةٍ لا يعرفها “السّيليكون”؟
اللّقاء في مقهى “البيكسلات” لم ينقطع قط رغم ازدحام البيادق. أجد طريقي إلى طاولة اللّقاء بلا دليلٍ ماديٍ، فالأفكار تتلاقى عبر المسافات البشريّة بشوق العبث في عالم سوريالي نتمرّد على ضوضائه وفوضاه فنسكته ليستمع علّه يتّعظ.
شكرًا على الدعوة، صديقتي الأديبة الرّاقية.
مع رشفة القهوة من فنجان أثيري، أصغي السّمع بحواسٍ متشابكةٍ كأوتار قيثارة تعزف لحن الهروب إلى عالم محجوب عن بيادق رقعة الشّطرنج فلا نحتكم إلى أوامر المقامرين.
_ كيف يعرّف محمد إقبال حرب عن كينونته لغريبٍ لا يعرف عن عالمه شيئًا؟ من هو ذلك الرّجل الّذي يقف وحيدًا في مهب الرّوح؟ هب لنا “بورتريها” أدبيًا لذاتك، لا يحتفي بما فعلت، وقل من “أنت” حين تصمت الكلمات ويبدأ ضجيج الذّات.
_من أنا، خلف أقنعة الوجود البشري؟ سؤال عميق يشدّني لإزالة طبقات الأقنعة الاجتماعيّة الّتي توارثنا بعضها، وفصّلنا كثيرًا منها لتتواءم مع ما نعتقده صفقةً ناجحةً في التّسويق الاجتماعي.
أحيانًا، بل كثيرًا ما يكتنفني الإرهاق الوجودي. أشعر برغبةٍ غامرةٍ بنزع كل الأقنعة الّتي تراكمت خلال سبعين عقدًا، عفانة قديمها تنزُّ على طبقاتٍ أحدث منها فتشوّهها. أستغل تلك اللّحظات فأنعزل عن مسرح الحياة، لأتخلّص من أقنعتي، أحرّر وجنتيّ وجسدي من تراكمات عفن الممثلين وأعتزل دوري، أو أدواري لأكون أنا. أليست المهنة دورًا أكافأ عليه ماديًا ومعنويًا؟ أليس دور الحبيب والأب والأخ والصّديق والجدّ والجار… الخ أدوار فرضها المجتمع بصيغة يتقبلّها من حولك؟ صيغ يفرضها كل من على المسرح تحت سطوة المخرج، وسياط المنتج.
في تلك الخلوة المسروقة من دوري المنمّق حيث لا يكترث أحدٌ لغيابي أشعر بسعادةٍ غامرة. يخرج طفلٌ من ذاتي يضحك على ما أُلت إليه من كآبةٍ وتعاسةٍ، من نجاحٍ أو فشلٍ، من تجاعيد البشرة، وبهتان الرّوح البعيدة عن شمس الأصل. فجأة تسري مجاري إنسانيّتي من طفلٍ ما يزال يبحث عن قطعة حلوى، فراشة يداعبها، قطة يعاكسها. ينهكني الفرح، تلسعني حقائق أتلفها العفن للحظاتٍ من البعد الآخر، لحظاتٍ نحتسبها سنواتٍ في بشريتنا.
أعود إليّ أنا المنسيّ، أبكي بغزارةٍ، أضحك بجنونٍ، أرقص كغجريةٍ وأقفز كمحاربٍ، تتزاحم براعم الذّكرى في حديقة نسياني لتورق في بستان ذكرياتي واقعًا أشتمّه، أتذوّقه، يأخذني كيانٌ غريبٌ إلى حضن الولادة طفلاً غير مبرمجٍ بعد بتفاهات البشر.
إنَّها اللّحظة الوحيدة الّتي أشعر بها بصفاء ونقاء بشريّتي…
حلم الواقع أكثر وعيًا وأشدّ هشاشةً من حلم السّبات. كأنّ الواقع هو أوكسجين البقاء يفرض عليّ العودة إلى الممات بعد حياة. أخاف من مدير المسرح ومنتجه، أسرع إلى أقنعتي أرصفها على وجهي وجسدي، أرسم عليها ابتسامة يطلبها الجمهور، أسير بحذر لأتابع الدّور العفن الّذي حُدّد من قبل. مع بقايا ظلال حلم الحقيقة، أستلّ قلمي، لأسجّل لحظات جنوني حول من أنا. أكتب كثيرًا، أخربش أكثر وأبكي… أبكي على عودتي إلى دور مسخ يحمل ألقابًا وأوسمةً نالها في أدوارٍ سابقةٍ لا يتذكّرها أحد حتّى أنا.
من أنا خارج المسرح؟
لا أتذكّر.
_ حدّثنا يا دكتور كيف استطعت القبض على “المفتاح السرّيِّ” لتحطّم به رقعة الشّطرنج وتخرجنا من “قعر الحقارة” صوب هذا الصّمت النّبيل؟ هل كانت الكتابة هروبًا من قدرٍ إلى قدرٍ، أم كانت محاولةً لترميم شظايا ما تبقّى في قلوب من عاشوا عمرًا عتيًا ضائعًا؟
_ ربما لم أفعل، كما لم أدّعِ. في زحمة البيادق وارتفاع وتيرة المزايدات تشعر البيادق بزهوٍ عابرٍ، قبل السّقوط المدوّي تواريت في قلمٍ منسيٍّ زَهِده المقامرون والمقامر عليهم. بحت بمداد الألم وانكساره إلى قلوب منسيّة وسط فوضى صراع المربّعات الّتي ترصف جماجم الضّحايا، تلك الممهورة بعناوين “قتيل، شهيد، عدو وحبيب”… بيادق أضعف من أن تدرك حقيقتها. ألق التبجّح بالقتل تعتصر من ريشتي مدادًا مغموسًا بأرواحٍ ودماءٍ وصرخات أبناء جلدتي بألوانهم ومشارب كينونتهم. مداد أخطه رقيّة صمتٍ في قبور بيادق لم تعلم من أين أتت وإلى أين المصير، بل لا تعلم موتها وهي تتنفس موتًا.
أنا في هروب دائم من بشريّتي، من صراع “الحرب والسّلام” وحروب “الحب والكراهيّة”، ومقارنة “الجمال والبشاعة”… فليركب معي من يريد صنع قدره غصبًا عن مالكي رقعة الشّطرنج ونخّاسي البيادق.
في محراب القصة “اهرب”
_ حين جعلت من الموت “الدّيليفري الوحيد الوافي بميعاده”، هل كنت تهجو دقّة الآلة أم تعزّي بؤس الكائن الّذي لم يعد يملك من اليقين إلا فناءه الموقوت؟
الحقيقة السّاطعة أن الولادة لا تتأكّد قبل وصول المولود رغم الحمل والبشائر، لكنّ الموت مؤكّد لكلّ ذي روح. أما الموت فهو خدمة إجبارية لشركة “فناء” الّتي أخذت على عاتقها الاستحواذ على أي مادة في الكون… حتى المجرّات. لذلك، لا أعزّي نفسي أو نفوس البشر في مقولتي، بل أخبر البشر أن تناسيهم للحقيقة لا يغيّر من الحقيقة مثقال ذرّة. كما أخبرهم أن الـ “ديليفري” الإلهي هو في الحقيقة “بيك أب Pick up”. الفارق بين الدّيليفري البشري والكوني، هو أن الأوّل يتمّ عبر تسجيل طلب وتحديد موعد استلام، علمًا أن الوصول غير مضمون. أما خدمة الموت في شركة “فناء” فهي إلزامية لاسترجاع “ديليفري” قديم. يحضر على حين غفلة ويأخذ من يشاء، متى يشاء. وهذا دليلٌ ساطعٌ على هشاشة الوجود البشريّ. يؤسفني كذلك، أن أصرّح أنّهم لم يستحقّوا حتى نذارًا من صانعهم… وهل يكترث صانعٌ لرأيٍ صنعته؟
ما كانت الدّعوة للهروب من الفناء لأن وجود كل منتج منّا محدّد بتاريخ انتهاء صلاحيّة محكم… أليست كل البيادق كذلك؟ بل دعوة للانفلات من دوّامة أوهام وأساطير صاغها القدماء بجهلٍ مدقعٍ، اتّخذناها قانونًا مقدّسًا نخاف حتى التّفكير في صلاحيته. فليهرب البشر، فليصحُ البشر علّهم يُسقطون أقنعة دساتير عمرها عمر الجهل.
_ تقول إن الشّفاه داء برمجةٍ لإدمان الخداع؛ فهل اللّغة في نظرك هي الأداة الكبرى لهذا الاستلاب، أم إنّها القناع الأخير الّذي يستر عريّ الحقيقة في قعر الحقارة؟
من جمال الحقيقة إنّها وجدت عاريةً بلا إغراءٍ، منتشرةً بلا شقاءٍ، كالماء والهواء. لكنّ البشر حجبوها، نقّبوها وشنقوها. ومن لم يفعل، أسرف في تسويقها حتى أصبحت غانيةً مشوّهة السّمعة. مع أول كلمة فاه بها بشر عبر شفتين تشكّل مدماك الكلم، ركيزة لحضارةٍ بشريّةٍ تتوارث المناقب والأخلاق مع كل معلومة إنسانيّة وعلميّة، ومن ثمّ مقدّسة في محراب الحقيقة. ومع تزايد البشر وتراكم الشّوائب البشريّة تراكمت أقنعة السّفاهة طباقًا، فما بقي من اللّغة إلا ما على الشّفاه من معسول الكلام وسفيهه. أليست الشّفاه في العُرف البشريّ مصدر الإغراء؟ ألم يزدها معسول اللّغة المنحطّة جرعة إدمانٍ جعلت من الكذب والدّجل قرابين نفاق تشوّه الحقيقة. تراكمت الأقنعة، وانهزمت البشريّة إلى الدّرك الأسفل من الحقارة تحت مسميّات حديثة أدمناها كالمخدّرات “ديمقراطية، مساواة، حرية”. وهكذا غاب ضوء الحقيقة العارية تحت حجابٍ قاتمٍ تنزف عليه شفاه الشّياطين رضاب خطايا أودت بها قعر الحقارة.
_ بين “جمجمة طفل” و “بكسلات باهتة“، أين تنتهي حدود المأساة الإنسانيّة وتبدأ لعبة العرض المتخفّي في “مجرة أندروميدا“؟
اشتكى رواد مقاهي أندروميدا من تحوّل البرنامج الفكاهي “الأرض السّاذجة” عن تحوّل البرنامج الفكاهي إلى بكائيّة مستمرّة في عنف استنكرته الشّياطين. بل ساديّ شوّهت مفاهيم الوجود. كيف لبكسلاتٍ بدائيّةٍ أن تحطّم جماجم الأطفال؟ كيف لبشرٍ أن يستلذّ بشواء كيان مثله؟ من علّم البيادق الحرق والشّنق والتلذّذ بلحوم بعضها. من غرّر بهم حتى استلذّوا دماء أخوانهم؟
حلقات البرنامج اليوميّة المسيئة لمخلوقات أندروميدا اضطّرت المخرج أن يعتذر على اعتباره البشر مخلوقات عاقلة. تسرّبت الأخبار عن ضرورة تصنيف البرنامج ضمن برامج الرّعب المقزّزة.
من يقرّر البشرية؟ الإنسانيّة؟
من يرتّق جمجمة طفل، أو يرتّق أشلاء بشر؟
من يستطيع التبجّح بإنسانيّته خارج دائرة البشر؟ حتى القوارض ستضحك كثيرًا.
_ هل ضغطك على “المفتاح السّرّيّ” في نهاية النّص هو دعوة للانتحار الوجودي وتحطيم الرّقعة، أم هو انبعاثٌ جديدٌ لروحٍ ترفض أن تظلّ “نسخة مكررة في سجل القدماء“؟
هل بقي هناك أحياء لينتحروا؟
ذاك هو السّؤال.
ما كان الانتحار حلًا، لكن الهروب من عالم الجرائم المنظّمة الّتي يشارك فيها صفوة القوم “كما يصفون أنفسهم”، سياسيّون ورجال دينٍ وأثرياءَ يحتمون خلف رتل من عبيد البيادق. عبيد تربّوا على الجهل والعصبيّة والكراهية، يدينون لمن يعلفهم ويحمي جهلهم.
من يتمرّد على سجلّ القدماء، يزيح الرّكام عن الحقيقة هاربًا كافرًا بما حوله، لا بد أن يبعث في نفوس المريدين روحًا تتجاوز حياة البيادق. فلتحترق رقعة الشّطرنج، فليمت الملك والوزير… من يكترث؟ الجائع قد يشبع والضّائع قد يجد مرشدًا، وعسى أن يخرج المفكر من سجن الموروثات والمفروضات… العالم أكبر من رقعة الشّطرنج، ومن لاعبيها… شريعة الغاب لا تنتهي إلا بالخروج من الغابة.
_ لماذا اخترت “شظايا الزّجاج” لتكون لوحة الفنّ البشريّ؟ هل لأن الألم لا يستقيم إلا بالجرح، أم لأنَّ الرّؤية من خلف الزّجاج المحطّم هي الوحيدة الّتي لا تكذب؟
الزّجاج النّقي يحمل سحر الصّفاء والشّفافية، لا شيء يعكّر صدق ما نقش عليه… لا يعرف المرواغة والكذب. متى تعرّض لأذى يتشوّه، يتشظّى في كل اتّجاه ولا يمكن جمعه ثانيةً، تمامًا كالكينونة البشريّة. عندما يتحطّم الزّجاج لا نرى من خلاله لأنّه لم يعد موجودًا ككيان بل أصبح حطامًا لا قيمة له. وهكذا النّفس والجسد البشريّين… انظري حولك، في محيطنا، وحول العالم ولا تدوسي على الشّظايا ففي بعض منها أرواحٌ كانت تعشق الجمال. أوصالٌ وخلايا بشريّة تشظت بفعل الهمجيّة والوحشيّة، الدّاخلية والخارجيّة. تنهشها الطّيور الجارحة، تتسابق إليها الحيوانات تحمل بعضها عشاءً لأطفالها… لا يكترث البشر إلا للون الدّم المسفوك لأجسادٍ رحلت واختفت خلال أيامٍ تحلّلًا.
ماذا عن النّفوس الحيّة؟ عن تشظّي مشاعر الأحياء، عن بذور الكراهية الّتي ستتوارثها الأجيال لتأخذ بثأرها ولو بعد ألف عام، قتلًا ودمًا وخرابًا.
التّشظّي لا يكذب، كما حقيقة الموت.
في فضاء المبدع
_ بعيدًا عن صرامة الأكواد وجفاف السّيليكون، أي غصنٍ من أغصان الطّفولة في لبنان لا يزال يمنحك الظلّ حين يشتدّ هجير محيط الهُراء الكونيّ؟
بصراحة تامّة، لم أعرف نفسي طفلًا فقد قاسيت كثيرًا. لكن لمحات الطّفولة اليتيمة تحمل في طيّاتها الظّلّ الّذي أنشده. ملامح طفولة طالما دعتني لأن أرقص وأغني كالأطفال بلا جزع أو خجل… بين البساتين في جديدة المتن حيث نشأت. أريد أن أعاكس فراشات الرّبيع، أقطف عيدان “الحُمَيْضَةِ”، أن أسرق برتقالة وعندما أعطش أشرب من أي جدول حولي بلا وجلٍ من التّلوث… أريد أن أتعثّر عند جزع شجرة اللّيمون وأبكي دلالًا حتى تواسيني ابنة الجيران ببراءة طفولتها… لكن لم يعد هناك شجرة ليمون واحدة، كما طُمرت كل السّواقي… جفّت كما جفّت عيون ابنة الجيران عندما سحلته بيادق “الإله” أمام عينيها.
_ في لحظات التّجلي بعيدًا عن صخب الكتابة، هل تجد نفسك “بيدقًا” في يد القدر، أم أنّك المخرج الّذي يراقب المشهد من شرفة الصّمت؟
يا سيدتي، أنا متمرّد تجاوز حالة “البيدقة”، هربت من مسرح الحياة منذ أمد طويل. بل، زهدت من مراقبة المشهد. إنه نفس المشهد، نفس السيناريو منذ أيام لوسي الّتي توارت قبل 3.5 مليون سنة. لم يتغيّر شيئًا في تركيبتنا البشريّة، حبٌ وكراهيةٌ، أكلٌ ونومٌ وعملٌ، صراع البقاء، نزاعاتٌ لا تنتهي حتّى بين الفرد ونفسه. نعم لم يتغيّر المبدأ بل تغيّرت الوسيلة. ما الفرق بين أن يُقتل البشر بالسّيف أو المسدّس أم اللّايزر. ما الفرق بين من يحتلّ بلدًا بالقوّة العسكريّة وبين من يستعبدها اقتصاديًا وتكنولوجيًا؟ لا أدري إن كان القتلى سيتباهون في الآخرة حول السّلاح الّذي أبادهم؟
لذلك أخترعت عالمًا يشبهني أنا فقط… أعيشه بسلام حتى يتشظّى كياني حبًّا وسلامًا وينتشر بين غبار الرّاحلين.
_ ما هو السّؤال الّذي يطاردك في عتمة اللّيل ولم تجد له “كودًا” أو شِفرة لفكّ لغزه حتّى الآن؟
السّؤال الوحيد الّذي يؤرقني هو، لماذا يعتبر البشر أنّهم الكائنات الوحيدة الّتي تحمل وعيًا، تلك الّتي تطوّرت إلى ما هي عليه الآن عبر ملايين السّنين. من قال إنّ الكائنات الأخرى لم تتطوّر ولم تصل إلى تكنولوجيا تهمها، فمقياس وجودها وضروريّاته غير الّذي يشغل بال البشر.
_ لو خُيّرتَ أن تعيش في زمنٍ يخلو من التّقنيّة ومن “برامج أطفال الآلهة“، أي عصر ستختار لترمّم فيه روحك المتعبة؟
الخيال البشريّ والتّعلق بالمجهول يوحي لكل منّا أنه سيحظى ذات يومٍ بفرصة اختيار. هذا أملٌ افتراضيٌّ أغتنمه بحبِّ المغامرة. أخبرك أنّي اخترت أن أكون مذنَّبًا يمتلك وعيًا يسبر المجرة، يجتاز كل النّظم الشّمسيّة في درب التّبانة وما أن يرتوي من دهشاته حتى ينطلق إلى مجرّات أخرى بحثًا عن قوانين طبيعيّة مختلفة … ربما في تلك الرّحلة الأبديّة أجد إلهًا أعرفه يسكن إليّ وأسكن إليه.
_كيف يرمّم »محمد إقبال« انكساراته اليوميّة بعيدًا عن الورق، وهل للموسيقى أو العزلة نصيبٌ في صياغة هدوئك الحالي؟
_ توالي الانكسارات في بقاع الكوكب كلّ يومٍ، خاصةً في هذه الحقبة السّوداء من التّاريخ البشريّ يجعل من الصّعب ترميمها. البعض يسمّي تجاربه الصّعبة انكسارًا، والبعض يراها تجربةً مثيرةً تحثّه على المضيّ قدمًا إلى مستوًى أرقى في لعبة الحياة. تلك التّجارب لا تكون انكسارًا إلا في قاموس أصحاب النّفوس الضّعيفة الخامدة. كل إحباطٍ أو فشلٍ يمرّ بي أجده درسًا عميقًا، أتعلم منه وأحمله أيقونة نصرٍ على ذاتي. الانكسارات والمعاناة ضرورةٌ لغسل الرّوح وترميم انكساراتها قبل أن يشحنها الألم بقطرات الحكمة. متى عانى الإنسان قدرًا كافيًا منها، تصبح ترياقًا وبلسمًا.
وصايا العبور.. وهــا بـ “إقبال” مرَّةً أخرى يجود علينا بهاتين الوصيَّتين
_ للرّوائيّين والكتَّاب: يا دكتور، أنت كصانعٍ للشفرات، بِمَ توصي من يمسك القلم بعدك لتجنّب السّقوط في “فخّ الآليّة” وعقم التّكرار؟ وكيف للرّوائيِّ أن ينفخ في “السّيليكون” روحًا، ويمنع نصَّه من التّحوّل إلى “بكسلاتٍ باهتةٍ” في سجلّ القدماء؟
مَن يأخذ بالنّصيحة مِن أي كان؟ فالنّصيحة الّتي كانت تباع بجملٍ لم تعد تساوي نقيرًا في عُرف البيادق.
لكن، سأشاركك شيئًا هامًا قد يكون ذا فائدة لمن يكترث. كل ما نراه في الوجود رموزًا، وكل السِّيَر والتّاريخ زيف كتبة المنتصرون. لذا، على الكاتب أن يفكّك الرّموز وأن يزيح السّتار عما تحت الأقنعة من قتاد وغبار ليرى الحقيقة على غير ما تتداوله الـ “بيكسلات” الجاثمة فوق قبرها عند رقعة الشّطرج. سجّل بمدادك ما أبصرته من شقّ الحقيقة، من دون خوف. أكتب ما تريد بوحه لا ما يريده النّيام. لا تجعل من نفسك تاجرًا يبيع فكره في صناديق تلاقي رواجًا استهلاكيًا… ما أتعس الكاتب أن يكون بائع جملةٍ ومفرّقٍ من أجل حفنة من الأخضر البرّاق أو تصفيق من أنامل لا تمسك كتابًا إلا لصورةٍ إعلانيّة.
أُكتبْ منكَ وإليكَ، إلى المستقبل… إلى المريدين عند مذبح المعرفة.
_ وبمَ تنصح القارئ الّذي سيعبر ممرَّات قصّة “اهرب” ويستنشق غبار متاحف العبث؟ وما هي التّعويذة الّتي تمنحه إيَّاها لكي لا يظلّ بيدقًا مستلبًا، وليستردَّ سلطة القرار حين يضغط على “مفتاحه السّرّيّ” الخاص؟
الممرات تيهٌ، والتّعاويذ عبشمٌ والبيدق المتمرّد لا يستسلم. صلِّ على نفسك صلاة الفناء، صبحًا ومساءً قبل السّفر وانسَ ما تعلّمته عن فضائل القبح والجريمة. القبح تعبيرٌ بشريٌّ يعكس العجز عن إدراك الجمال بمواطنه. والجريمة ليست في اقترافها، بل بمجرّد التّفكير بها… تلحّف أيها القارئ بالفناء لتهرب معي عبر النّص إلى متاهة مفتاحها السّرّي، قرارٌ لا يملكه إلا أنت.
_حديث الخبير في كسر الأغلال هو النّور للسّائرين في محيط هُراء هذا الكون، وجوابه كان بين رنّات الفناجين في المقهى.
أشكرك سيدتي الرّاقية د. سناء يحفوفي، على هذا الحوار البعيد عن ثرثرة “البيادق” في صراع الهراء. ربما نرتشف ذات يومٍ قهوة البقاء على حجرٍ قديمٍ في حديقة الفناء.
تم في 26- 4- 2026