دراسة مضمونية واسلوبية لكتاب (الفكر عورة ) للكاتب محمد اقبال حرب
ابتدأ الكاتب حرب كتابه بعنوان لافت: (الفكر عورة)، وهي جملة اسمية تتألف من مبتدأ وخبر، ومن خلال هذا العنوان استطاع أن يختزل الكتاب المؤلف من صفحات عديدة. فالفكر يُعرَّف، حسب المعاجم (مثل معجم المعاني الجامع)، بأنه إعمال العقل في المعلوم للوصول إلى معرفة المجهول، فهو نشاط ذهني يهدف إلى الاستمرارية للوصول إلى استنتاجات معينة. أمّا كلمة عورة، التي جاءت هنا خبرًا للمبتدأ الفكر، فقد جاءت صادمة؛ إذ أُخبِر عنها بأنها عورة. وما هي العورة؟ والعورة في اللغة هي كل ما يُستحيا منه ويقبح ظهوره من العيوب، وكل أمر ينبغي ستره وحفظه.
فتظهر الإشكالية بدايةً من العنوان، وتدفع القارئ إلى التفكير والتحليل: كيف يكون الفكر والإبداع عورة؟…
ويحاول الكاتب، من خلال نصوصه، الإجابة عن هذه الإشكالية وتوضيحها.
ففي نصوصه يعمد حرب إلى انتقاد الساسة، آلهة الأرض، وظلمهم لشعوبهم، وفسادهم المستشري، واستغلالهم للشعوب وقت الانتخابات، وقدرتهم الهائلة على السيطرة على شعوبهم كأغنامٍ تُشترى وتُباع، وذلك بعد زرع الطائفية في النفوس، والعمل على تفريق الشعب الواحد باستغلال الفرز الطائفي لكل شيء: في الدراسة، والتعليم، والتوظيف، وتوزيع الماء والكهرباء. ويتحدث عن حرفية دبابير الفساد في تفكيك الوطن وسرقة ثرواته، وأن على الزعيم أن يكون بلا أخلاق وبلا ضمير؛ يسرق قوت الأطفال، ويبيع الوطن، وينتهك الأعراض، ويطمس الهويات، ويزرع الكراهية والحقد بين أفراد الشعب البسيط، ويأخذ البلد إلى الضياع بحجة التطهير وحفظ المصير، ويُمنح وسام الخيانة لأنه باع القضية وسرق أموال الوطن وراكمها في حساباته البنكية في سويسرا.
كما يهاجم رجال الدين، معتمدًا على الرمزية والسخرية؛ فهم شيوخ البصيرة، والشيوخ الأجلاء الذين ينشرون ديانة الفوضى، وهم الآلهة البديلة والسلاطين المقدسة، وهم أصحاب اللحى والياقات. ويشير إلى خطورة الفتاوى الدينية على المجتمع؛ حيث إن المفكر زنديق فاسق يستحق الموت ويُهدر دمه خوفًا من انتشار وباء الفكر، ومن يخالف الشريعة خائنٌ لله، ويصبح رجل الدين إلهَ الأرض، يُحلِّل ويُحرِّم؛ فهم دعاة الإرهاب، يدعون إلى قتل الآخرين وتعذيبهم واغتصابهم، ويبررون فعلتهم بحجة الجهاد والفوز بالجنة.
ويهاجم الشعوب الراضخة، ويصفها بالجبن والكسل والخضوع والخنوع والأنانية؛ فهم رعاع يُساقون كالبهائم، وهم عبيد لا يستحقون الحياة، وهم رعاع يتسولون الكرامة ككسرة خبز على موائد الزعماء.
ويتكلم على أن المرأة عار، وولادتها مأساة؛ فهي طريدة تُعذَّب وتُضرَب وتُستعبَد جنسيًا وجسديًا، فلا قيمة لها، فهي للمتعة وأداة للإنجاب، ويؤكد على الذكورية، مما يدل على انهيار القيم الإنسانية والمبادئ الأخلاقية.
كما يشير، في بعض النصوص، إلى العنصرية بين الشرق والغرب؛ فإذا أصابتهم مصيبة قلنا: غضبٌ من الله، وإذا أصابتنا قلنا: بلاءٌ من الله. فالعنصرية تسيطر، ونجد لها ألف مبرر قانوني واقتصادي واجتماعي.
ويلفت إلى خيانة العرب للقضية الفلسطينية التي بيعت على مرأى من العالم، وبتآمر عربي، وأن ما نشهده اليوم من قتل وحشي وإبادة جماعية في لبنان وغزة والعراق وسوريا وليبيا هو بدعم لوجستي من إخواننا العرب؛ لأنهم نيام يركعون في معبد الصهاينة طالبين رضاهم، بعدما قدموا إخوانهم قرابين فداءً للشيطان الأكبر.
ورغم عرض محمد إقبال حرب الوافي للواقع العربي الأليم، وتأكيده على الانهزامية والانبطاح أمام الغرب، والرضوخ للمذلة، وعجز المواطن واستسلامه للحاكم المستبد ولرجل الدين، إله الأرض، فإنه يدعو الشعوب إلى الثورة على عصر المذلة والحقارة، وعصر القهر والدعارة، ويطلب اتخاذ حادثة كربلاء مثالًا للثورة على الظلم والتبعية.
هذا من الناحية المضمونية.
أمّا من الناحية الأسلوبية، فقد اعتمد محمد حرب أسلوب السخرية والتهكم من الساسة ورجال الدين والشعب، ومن أبرز أقواله: «إنقاذ الحذاء من الفناء»، و«الخاضعين لسياسة الاستحمار الذي يشكرك على إخلاصك فيمنحك وسام خيانة من درجة الحضيض».
كذلك اعتمد على التكرار، ومن الألفاظ المكررة: «ثُرْ»، «كم؟»، «تبًّا»، «عُدْ»، «قِفْ»، «مُتْ»، «احلموا»، «دَعْ»، «التزمْ»، «عانقْ»، «تحرّرْ».
واستخدم الصور البيانية بكثرة في نصوصه، ومنها:
الاستعارة: «رقص عزرائيل»، «ألهمه حروفًا نقية»، «شعوبنا توزع غنائم بين الدول»، «دبابير الفساد»، «ذكريات صدئة»، «بهارات الحب والحنان».
التشبيه: «كأني غريب»، «كسرطانٍ شرس»، «حكام يتناوبون اغتصابنا كقراصنة»، «تُساق شعوبنا كالبهائم».
الكناية: «الناس سكارى»، «السلطان الجائر»، «وسام الحقارة».
كما وظف الصور البديعية، ومن أبرزها:
الطباق بنوعيه:
* طباق الإيجاب: القريب/الغريب، الكبير/الصغير، الرئيس/الغفير، العبيد/الأحرار، اضطرارًا/اختيارًا، عزيزًا/جبانًا، الأبيض/الأسود، تُباع/تُشترى، القريب/البعيد، طهارتك/نجاستهم، المؤمنون/الكفار، الأحياء/الأموات، جزر/مد.
* طباق السلب: المقدسة/غير المقدسة.
المقابلة: «لا قيظه ينطفئ ولا برده ينكفئ»، «نور النهار/ظلمة الليل»، «ضحك كثيرًا وبكى أكثر».
الجناس: البقاء/الفناء، الأعمال/الأفعال، الركود/الجمود، نملة/نحلة، أعرابًا/أغرابًا، الجبروت/الكهنوت، كربلاء/البلاء.
السجع: «يلقي روادها بالزعماء وأفرادها بالسفهاء»، «بحجة التطهير وحفظ المصير».
وتنوعت الأفعال بين الماضي والمضارع والأمر، وهذا يدل على أن الكاتب أراد استخدام الأفعال الماضية لرسم الواقع العربي المأزوم وتصويره، بينما جاء الفعل المضارع للدلالة على استمرارية هذا الواقع المرير، أما فعل الأمر فقد استخدمه الكاتب لشحذ همة القارئ والشعوب العربية، والتنبيه إلى أهمية دور الفكر في مواجهة الظلم والثورة على الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية المختلفة.
من خلال هذه الدراسة يتبين أن كتاب «الفكر عورة» لمحمد إقبال حرب يُمثّل خطابًا احتجاجيًا ناقدًا للواقع العربي بمختلف تجلياته السياسية والدينية والاجتماعية. وقد استطاع الكاتب، من خلال لغة ساخرة حادة وصور بلاغية مكثفة، أن يكشف مظاهر القهر والفساد والاستبداد التي تعانيها المجتمعات العربية، داعيًا إلى إعمال الفكر والتحرر من الخضوع والتبعية.
كما أسهمت التقنيات الأسلوبية والبلاغية، من تكرار واستعارة وتشبيه ومقابلة وجناس وسجع، في تعزيز البعد الإقناعي والجمالي للنصوص، مما جعل الكتاب يجمع بين الوظيفة النقدية والوظيفة الفنية في آنٍ واحد.
زينة حمود