الفكر عورة: خطاب المعرفة في مواجهة الاستبداد والجهل

بقلم /غادة الحسيني

يأتي كتاب «الفكر عورة» للدكتور محمد إقبال حرب بوصفه نصًا فكريًا احتجاجيًا يشتبك مع أسئلة الحرية والسلطة والمعرفة، ويطرح رؤية نقدية حادة لواقع المجتمعات التي تُحاصر فيها الكلمة ويُلاحق فيها المفكر بوصفه مصدر تهديد لا مصدر نهضة. ومن خلال عنوانه الصادم والمفارق، يفتح الكتاب باب التأمل في الكيفية التي تحوّل بها بعض الأنظمة والتيارات الفكر الحر إلى تهمة، والمعرفة إلى خطر ينبغي احتواؤه أو القضاء عليه. وفي هذا السياق يأتي نص «الفكر عورة فاحذروه» بوصفه أحد النصوص المركزية في الكتاب، ومنه استقى الدكتور المؤلف عنوان كتابه ، إذ يعكس بوضوح رؤية المؤلف للعلاقة المأزومة بين السلطة والتنوير، ويكشف عبر لغة ساخرة ومجازات كثيفة كيف يتحول العقل الحر إلى خصم للأنظمة المستبدة التي تعيش على إعادة إنتاج الخوف والجهل.

يُعدّ نص «الفكر عورة» خطابًا احتجاجيًا شديد الكثافة، ينتمي إلى الأدب الفكري النقدي الذي يواجه بنية الاستبداد السياسي والاجتماعي والديني عبر لغة رمزية ساخرة وسوداوية. يقوم النص على قلب المفاهيم وتفكيك البديهيات، إذ يحوّل الكاتب الفكر والمعرفة –وهما رمزا النهضة والإنسانية– إلى «عورة» ينبغي سترها في مجتمع تحكمه أنظمة القمع والخوف. ومنذ العنوان يضع المتلقي أمام مفارقة صادمة؛ فالعورة في الوعي الجمعي ترتبط بما يُخفى حياءً أو خوفًا من الفضيحة، لكن الكاتب يحمّلها دلالة فكرية وسياسية تشير إلى أن التفكير الحر صار جريمة تستوجب العقاب.

يقوم المقال على بنية رمزية واضحة تجعل من السلطة خصمًا مباشرًا للوعي، حيث تُقدَّم المعرفة بوصفها «وباءً» يهدد استقرار الأنظمة المستبدة. فالكاتب يستخدم ألفاظًا ذات حمولة سلطوية مثل: «الأحكام العرفية»، «الطوارئ القصوى»، «الإعدام الفوري»، «بتر الأنامل»، «قطع الألسنة»، ليؤسس فضاءً كابوسيًا يختلط فيه القمع الواقعي بالمبالغة الفنية. وهذه اللغة ليست غاية جمالية فقط، بل أداة إدانة؛ إذ تكشف كيف تتحول الدولة أو المؤسسة السلطوية إلى جهاز يلاحق الفكر لا الجريمة، ويخاف من القلم أكثر مما يخاف من السلاح.

من الناحية الأسلوبية يعتمد النص على السخرية السوداء بوصفها آلية نقدية مركزية. فالكاتب لا يهاجم السلطة بشكل مباشر تقريري، بل يسخر من منطقها عبر قلب القيم؛ إذ يصبح الكاتب «مسعورًا»، والمفكر «زنديقًا»، والمعرفة «عدوى»، بينما الجهل والطائفية وسائل نجاة. هذا القلب الدلالي يخلق مفارقة مؤلمة تكشف حجم الانهيار الأخلاقي والفكري في المجتمعات التي تحارب التنوير. فحين يقول الكاتب إن «طهارة الفساد» مهددة بـ«ضلالة الفكر»، فإنه يستخدم التناقض اللغوي ليُظهر عبثية الخطاب السلطوي الذي يجمّل القبح ويشيطن الوعي.

كما يوظف الكاتب التكرار بصورة لافتة، لا سيما في عبارتي «أستروا عورات أفكاركم» و«أيها المفكر»، وهو تكرار يمنح النص إيقاعًا تحذيريًا أقرب إلى المنشور السياسي أو البيان الثوري. لكن هذا التحذير يحمل دلالة معاكسة؛ فالكاتب لا يدعو فعلًا إلى ستر الفكر، بل يكشف سخرية الواقع الذي يفرض على المفكر أن يختبئ كي ينجو من بطش السلطة. وهنا تتحول اللغة إلى شكل من المقاومة الرمزية.

أما على مستوى الصورة البلاغية، فإن النص زاخر بالاستعارات القوية؛ فالمعرفة تُصوَّر كالنور الذي يفضح «دهاليز الحكم»، والجهل كثمار محصّنة بالطائفية والعنصرية، بينما السلطة تظهر ككائن خائف يرتجف عرشه أمام «كاتب مغمور». وهذه الصور تمنح النص بعدًا دراميًا، وتجعل من الصراع بين الفكر والاستبداد معركة وجودية بين النور والظلام.

ويتجاوز المقال نقد السلطة السياسية إلى نقد الوعي الجمعي المستسلم، إذ لا يكتفي الكاتب بإدانة الحاكم، بل يوجّه خطابه إلى المواطن الذي «يطوف بدار السلطان مستلذًا بأسوار عبوديته»، في إشارة إلى أن الاستبداد لا يعيش فقط بقوة القامع، بل أيضًا بخضوع المقموع وتواطئه أحيانًا مع منظومة الخوف. وهنا يقترب النص من الطرح الفلسفي الذي يرى أن الحرية تبدأ من تحرر العقل لا من سقوط السلطة وحدها.

كما يبرز البعد الديني والسياسي في النص من خلال الإشارة إلى «أصنام السلطان المقدسة» و«نقاب السلف»، وهي إشارات توحي باستغلال المقدس لتبرير القمع وإدامة الجهل. إلا أن الكاتب لا يهاجم الدين بحد ذاته، بل ينتقد توظيفه أيديولوجيًا لتقديس الحاكم وإسكات الأصوات المعارضة، وهو ما يضفي على النص حساسية فكرية وجدلية.

ورغم قوة النص وتأثيره، يمكن الإشارة إلى أن كثافة اللغة الخطابية والمباشرة أحيانًا، إضافة إلى الإفراط في التوصيف السوداوي، قد تجعل بعض المقاطع تميل إلى التكرار أو المبالغة، لكن هذه السمة تبدو مقصودة لخدمة الطابع الاحتجاجي والصرخة الفكرية التي يريد الكاتب إيصالها.

في المحصلة، يقدّم نص «الفكر عورة» رؤية نقدية عميقة للعلاقة المأزومة بين السلطة والمعرفة، ويجعل من الفكر فعل مقاومة ضد الجهل والاستبداد. إنه نص يضع القارئ أمام سؤال جوهري: لماذا تخاف الأنظمة من الكلمة؟ ولماذا يتحول المفكر إلى متهم كلما اقترب من الحقيقة؟ ومن خلال لغته الساخرة وصوره القوية، ينجح الكاتب في تحويل المقال إلى صرخة ضد اغتيال العقل، ودعوة ضمنية إلى حماية الفكر بوصفه شرطًا للحرية والكرامة الإنسانية.

اترك تعليقًا