التفات النوع – بقلم د.رمضان الحضري

التفات النوع
بين علاء عبدالهادي وعبدالعزيز جويدة
****************
هـــــبلٌ هـبلٌ هـبلٌ هـبلُ
ذاكَ الحـضنُ وتلك القُبَلُ
هــــذا وزنٌ صــحٌ جـداً
لــن يأتيَهُ أبـداً خــــــللُ
ما الموسيقا إن يعزفها؟!
مجنونٌ أصغى له طـللُ
**************
لقد ارتقيتُ مرتقى صعبا ، حيث وضعتُ نفسي موضعَ المجيبِ عن أسئلةٍ لا طاقة لي بتحمل عواقب الإجابة عنها ، فهذا الكلام رغم أنني أكتبه فصيحا لكنه ليس مريحا للقاعدة العامة من شعراء العرب ونقادها ، لكنها الأيام عودتني أن كثرة الغبار لا تطفيء ضوء الشمس ولا نور البدر .
فالأمر قد تخطى القول بأن هناك خطوطا حمراء أو صفراء أو حتى فوق الحمراء وفوق البنفسجية ، حيث يعيش المجتمع العربي حالة من حالات الاحتضار ، فالسكات فوق الاحتمال ، والعلاج قاس للغاية ، لكن بذور القابلية للحياة لازالت موجودة تحت هذه التربة الخصبة العفية ، وعلينا أن نرويها لتندفع عصارة الحاضر فيها جنبا إلى جنب مع عصارة التاريخ لتعيد الحياة لمن أشرفوا على فقدانها .
والسؤال الأول : أين موقع الناقد في أدبنا العربي ؟ !
في ذات اليوم الذي أخذت كتاب النقد المعنون بـ ( قصيدة النثر والتفات النوع ) من النقادة والشاعر المصري الكبير / علاء عبدالهادي ، وصلني ديوان بعنوان ( على صدر الصهيل أنام ) للشاعر المصري الكبير / عبدالعزيز جويدة ، وظللت أياما بين النقد وبين الشعر ، حتى طفحت الأسئلة على شفتي وأزمها مرددا ( صبرا حتى أعيد القراءة ) ، وأهم الكتب المحببة إلى نفسي ، تلك الكتب التي تجعلني أطرح أسئلة على نفسي ولا أستطيع أن أجيب عنها ، غالبا تشبه كتب الفتنة الكبرى التي نجانا الله من دمائها ، لكننا لم نستطع أن نحفظ ألسنتنا منها حتى اللحظة .
فحينما ينحاز الناقد لطائفة دون أخرى فهو مع الطائفة وليس ناقدا ، تماما كالذي يدعو لانتخاب شخص ما حتى مبررات وطنية ، فهو منحاز للشخص لا للوطن .
وكالذي يدعو للإلتزام بقاعدة ما فهو يدعو للقاعدة وينحاز لها ، وهو ليس منحازا لمنهاج علمي ، فالناقد عندي هو الذي يقف على أبعاد متساوية من كل الأشخاص ومن كل القواعد ، ويحلل ويبرهن ويقدم كل شخص في موقعه دون تعلية أو تخفيض ، ويقدم كل قاعدة بمميزاتها وعيوبها دون إهمال أو تفريط ، وهكذا تكون أهم مقومات الناقد المعرفة التامة عما يتحدث ، فيقول ما يعرف ، ليعرف المتلقي مايقول .
فالناقد المنحاز للشعر العمودي هو ليس ناقدا ، لكنه مدافع عن الشعر العمودي ، وكذا المنحاز لقصيدة التفعيلة أو قصيدة النثر ، حيث إن الناقد الحق هو من عرف وفهم كل القواعد وتحدث عنها جميعها على قدم المساواة ، ويترك للمبدع أن يختار مايشاء ، ليكتب كيف يشاء ، فربما يقدم لنا قناعات جديدة تفيدنا .
فإذا كان موقع الناقد في نقطة يرى كل القواعد عنده متساوية في القرب والبعد ، فَقَدْ فَقَدَ النقد العربي عبر تاريخه أكثر كتبه وأكثر نقاده من وجهة نظري ، حيث لايمكننا أن نعتد بحكم قاض نعرف أنه ظالم في حكمه ، حيث انحاز إلى أحد الخصوم .
السؤال الثاني : ما الشعر وما النثر ؟
الشعر والنثر كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح ، فالنثر الجميل أرقى من الشعر القبيح ، والنثر غير المتكلف أرقى من النثر المتكلف ، والذي يحدد درجة الرقي لعمل ما هو الهدف ، فالهدف الذي تستطيع أن تصله بجملة نثر ، ما الدافع الذي يجعلك تكتب فيه قصيدة شعر أو متواليات نثرية متعددة ؟ !
فكلما كان الوصول للهدف ميسراً ومفيدا وممتعا كلما كانت الأدوات راقية وجميلة ، حيث تحملك على جناحين من المتعة والإفادة ، واللتان ينتج عنهما تغيرات في السلوك البشري للأفضل ، أهمها حدوث الاتزان النفسي للمتلقي حينما يقرأ أو يستمع لكلمات المبدع .
وهنا أقصد أن يخلو الكلام ( نثرا أو شعرا ) من الحشو النثري أو الضرورات الشعرية ، فالقاعدة المخلة بالوجدان النفسي وانسياب الفكرة هي قاعدة ليست سوية في عرف النقد الحقيقي بصرف النظر عما قيل سابقا .
وكل قواعدنا العربية نحوا وصرفا وعروضا بها شواذ لايمكن تقبلها عقليا مهما برروا ، فليست البحور العربية كما قالها وكما شرحها الخليل بن احمد الفراهيدي الأزدي العماني ، بل هناك بحور أخرى تركها الخليل وأهملها ربما بعضها اهم من البحور المذكورة ، وربما لو انتبه لها من جاءوا بعد الخليل لكانت تطويرا لشعرنا العربي ، فرغم أن الخليل خدم شعرنا العربي في تنظيره وتقعيده لبعض الأوزان إلا أنه أضر به حينما ترك أوزانا كان العرب يستخدمونها قبل الإسلام .
وحينما جاء الأخفش الأوسط ليستدرك على أستاذه بغزوة المتدارك ، اكتفى بالنصر وترك بقية الأوزان ، وجاء علماء كثر في لغتنا العربية لكنهم لم يفندوا أسباب الاصطفاء لهذه الأوزان وأسباب ترك غيرها ، وفي ظني أن بعضهم لم يكن على قناعة تامة مثل الجاحظ الذي كان يكره علم العروض ولم يحسن أن يتعلمه ، رغم مرافقته للخليل فترة تزيد عن أربعة أشهر بغية أن يتعلم هذا العلم الجديد في عصره .
والسؤال الثالث : _
بين ( كتاب عبدالهادي وديوان جويدة ) .
أثار كتاب ( قصيدة النثر والتفات النوع ) ثورات من الأسئلة غير المطروقة سابقا ، كما فتح ديوان ( على صدر الصهيل أنام ) دروبا جديدة في شعرنا العربي ، وهذا ماسوف أتناوله في اللقاء القادم بإذن الله تعالى .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s