وباء الأمسيات الشعرية الواهية

 بداية أريد أن أشير إلى أن هذا المقال ليس موجهاً إلى منتدى معين أو شخص بعينه فالوباء ينخر   بيوتات الأدب على كامل الأرض اللبنانية إلا من رحم ربي

بعد غياب ٤٢ عاماً في بلاد الغربة تعرضت فيها لحضارات وشعوب مختلفة وشاركت في مهرجانات وأمسيات وندوات في بلدان كثيرة منها تونس ومصر والمغرب وكوسوفو وغيرهم. كان بي حماس شديد للانخراط والتعلم والاستفادة من المشهد الأدبي اللبناني وعالمه. وكان اختياري أن أجلس في الصفوف الخلفية لأستشف رحيق الشعر والمعرفة من بلد تركته يعج بالعلم والمعرفة. لكنني وبعد محاولات حثيثة اصطدمت بحقائق كثيرة في وباء اسمه الأمسيات الشعرية الواهية أصاب معظم المنتديات المتنافسة على اثبات وجودها على حلبة مصطنعة حتى بدت انعكاساً لحال البلد الهاوية، علماً بأن الأدباء والشعراء وأرباب الثقافة هم أمل الأمة في التغيير. لكن أن يتم العكس وتركب هذه المجموعات ركاب الفساد لهو عجب عجاب خاصة وان أعراض هذا الوباء لا تخفى عمن يتمحص في كينونة المشهد الثقافي بتجرد. فالأعراض واضحة وهذا بعض ما جمعت دون تحيز أو تمييز

 أولاً- التنافس الشعري يتم على قاعدة من يجمع أكبر عدد من الحضور بعيداً عن النوعية فأصبحت الكمية هي المعيار. فمع وجود مئات بل آلاف المصائب الاجتماعية نجد معظم الشعراء والمستشعرين يصرون على تجاهلها والتركيز على الغزل المستور والفاضح.

 ثانياً- لا يوجد معيار أو رسالة ثقافية في أي منتدى يبرز من خلال نشاطاته بصورة مستدامة.

ثالثاً- يتم الحضور والمشاركة بين المنتديات على أساس “زيارة بزيارة” دون البحث عن النوعية أو التحقق من نوعية الأمسية

رابعاً- يتم تقديم الشعراء غثهم وسمينهم وكأنه منزل من السماء حتى تظن بأن الحياة قد بعثت في ابن الرومي او ديك الجن الحمصي ناهيك

عن المتنبي وجرير والفرزدق الذين أعيدوا للحياة مراراً في أجساد المستشعرين على لسان عرّيف الحفل

خامساً- الاصرار من بعض المنتديات على اقامة أمسيات اسبوعية بعيداً عن النوعية

سادساً- عدم وجود نقد بناء الا فيما ندر فمعظم الدراسات النقدية على شُحّها هي دراسات مدح وثناء يطبل لها ويزمر زملاء الممدوح حتى دون قراءة الدراسة

سابعاً- استبعاد جميع الفنون الأدبية الأخرى من الساحة كالقصة والرواية والمقالة إلا فيما ندر

ثامناً- ولتأمين أكبر عدد من “الزبائن” اتخذ الاغراء منحى غريب فمع الشعر نجد الموسيقى والرسم والغناء وفي آخر صرعة “عرض أزياء” بمزيج مقزز. أنا مع أمسيات خاصة بالفن التشكيلي أو الموسيقى أو الزجل أو الشعر المحكي… الخ

تاسعاً- عدم الالتزام بالمواعيد إذ لم أحضر أمسية اقيمت في موعدها أو انتهت بالوقت المحدد

عاشراً- بعد نهاية الحفل يبدأ الحضور بالتبرع بإلقاء قصائد للإعلان عن شاعريتهم أو ما نضح عليهم من شعر وزجل مما يزعج الحضور الذين اشتكوا مراراً وتكراراً

إحدى عشر- توزيع شهادات الشكر والتقدير لأشخاص لم يقوموا بأي عمل مميز سوى القاء قصيدة لا تغني ولا تسمن من جوع. ناهيك عن شهادات الدكتوراه الفخرية التي بات معروفاً بأن لها سماسرة يقدمونها حتى لمن لا يحمل حتى الشهادة المتوسطة أو من لم يقم بعمل انساني أو علمي جليل. في بلاد العالم المتحضرة يتم تأمين شهادة مشاركة دون تطبيل وتزمير

  • وللأمانة أشير إلى أنني قد حضرت ثلاث ندوات حضرها عدد قليل جداً أفادتني وجعلتني أفكر بمضمونها لفترة طويلة.علينا أن ندرك بأن الأمسية الشعرية الخاصة بأهل المنتدى شيء والدعوة إلى أمسية عامة شيء آخر. فالدعوة لأمسية عامة يجدر بها أن تحدد الشعراء الذين يقدّمون بإيجاز لا يزيد عن السطرين. فكلمات الشاعر هي التي تحفز الجمهور لتقييمه الحقيقي أما التطبيل والتزمير ووضع الشاعر في مكان لا يستحقه أو وصف لا ينطبق عليه يعتبر تدجيلاً وتدليساً للحقيقة. كما يجب تحديد نصيب كل شاعر من الوقت لتتم الأمسية حسب البرنامج المحدد دون اضافات لا علاقة لها بالمناسبة. وكم أتمنى أن يأتي الحضور من أجل الاستماع والاستفادة من تجارب الآخرين لا من أجل اثبات وجود و”تربيح جميلة”. كما أتمنى على المنتديات أن يختاروا المتحدثين طبقاً لمعايير محددة دون تمرير صديق أو مناصر أو مدع لأنه “بجيب جمهور”

إذا لم يتم استبعاد المستشعرين والشعراء الذين لا يحملون رسالة ما في شعرهم لن تحافظوا على اللغة العربية ولن تخلقوا جيلاً من النقاد والذواقة. فمنذ فترة وجيزة القى أحدهم “قصيدة” ليس لها تصنيف وليس لها معنى بكل معنى الكلمة فصفق له بعض الحضور طويلاً وكأنما جبريل قد طوبه رسولاً. وان دلت هذه الحادثة المكررة على شيء فإنما تدل على مصيبة أدبية تعاني من آفات كثيرة أولها عدم الالمام باللغة ومفرداتها وثانيها الثقافة الضحلة.

اخيراً، أتمنى أن ترقى أمسياتنا إلى تفاعل جدّي وعمل أدبي مميز على جميع الصعد بعيداً عن المحسوبيات وعدد “الزبائن” ورد الزيارة فالمسألة هي بالكيف وليست بالكم.

محمد اقبال حرب

كاتب/روائي/ قاص

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s