أُهْرُبْ

اُهرُب

 توارَ

 لا تنظُر خلفَك!

لا تخَف. لن تتحوّلَ إلى عمود مِلح… لأنك لا تستحقُّ أن تكونَ كذلك، فالمِلحُ يحفظُ الأشياءَ… من يريدُ الحِفاظَ على الفسادِ؟

لا تنظُر خلفَك كي لا تتحوّلَ إلى كُتلةِ حقارةِ ملعونةٍ حتى فناءِ الكَونِ.

مهما كنتَ لا تُصنَّف إلا نكرةً… قيمةُ الجوهرةِ تتلاشى في مُحيطٍ هُراء.

كلُّ شيءٍ حولَك عدم… كذِبٌ، جرائمٌ، تدليسٌ ونِفاق. مخالبُ وأنيابٌ ونهرُ دماء.

عالمُكَ قعرُ الحقارةِ… كلُّ ما فيه سواء.

ولدتَ فصفّق والداك لحُضورك… دأب البشرُ أن يفرحوا لوريثٍ يرثُ البَلاء.

ماذا جنيتَ في عُمرك المسجّلِ في دائرة العابرين؟

عشتَ عُمرًا عتيًا، ضائعًا، تائهًا غبيًّا… تدّعي التفوُّقَ والذكاءَ.

مهزلةٌ أنتَ… جمعتَ النقيضين. تصفُها فلسفةُ البشرِ بأنها قدرٌ محتومٌ في دورة الشَّقاء.

لا تخجَل، إنها ثرثرةُ الحُكماء.

اُمحُ الذاكرةَ… اِنسَ الأسماءَ… والديك، ذويك… كلُّ من دبّ عليها من ذُريَّة آدم، أصلُ البلاء. هكذا توارَدت الأخبارُ من سجلّ القُدماء. زرعوا آدم نبتةً بشريَّةً، ثمارُها قتلٌ وكراهيَّةٌ وبلاء.

لحُضورِك هلَّلوا وزَّعوا الحلوى… تقبَّلوا التهاني والهدايا ثم باعوها عُربونَ فساد.

عِشتَ عُمرًا عتيًّا… تراكم غباؤك بذكاء.

اُهرُب وتذكَّر كيف تمحو الكراهيَّة، تذكَّر كيف تبكي! كيف تحزَن! كيف تلطُمُ جهرًا وخَفاءً.

تذكّر كيف يُدمِّر الإنسانُ إخوانَه بسعادةِ النَّصرِ… يهدِمُ بيوتَهم، يحقّرُ رُموزَهم ويصنعُ من الشَّماتة ملاذًا… يدوس بغِلٍّ على الشُّرفاء، أمواتًا وأحياء.

تذكّر كيف تتشظَّى أشلاءُ البشرِ… باسم الله والشيطان وإله مسافر.

لا تنسَ لوحةَ الفنّ البشري على شظايا الزُّجاج  تُعرض في متاحِف الحضارة… جمجمةَ طفل… ثدي امرأة أُطفئت فيه سجائرُ النجاسة والطُّغيان… أوصالَ أب قُطّعت بتفجيرٍ وتدمير.

تذكَّر أخاديدَ حفرتها مخالِبُ الأقوياء على الضُّعفاء. مخالِبُ الرجال على خدود النساء.

تذكّر الهاربين، الخائفين وهم يُقتلون… لا يُدفنون، طعمَ الجوع، طعمَ الاستبداد… طعمَ الموت صُبحًا ومساء.

تذكّر، الجنوب… الضاحية… بعلبك… غزّة… إلخ

بيوتُ عزٍ، أرضٌ مقدسة، شعبٌ أزلي… يأكُلهم عصفُ الكُفر بانسانيَّتهم من فمٍ كريه يكره نقاء الوجود وجمالَ الأشياء.

النازحون إلى العراء… متاعُهم صُمودٌ وكبرياء… يُطعنون من عدوّ وقح وآخرَ من بني جلدك ضائع تائه في تحديد هويّته، بل خائف من مقاومة العدو ولو بأضعف الإيمان: السكوت. 
تذكَّر أن عدوَّك بلا أخلاق، بلا مشاعِر… دينُه يأمُره بالقتل وسفك الدِّماء.

تذكَّر أن الموتَ أصبح حُلمَ المشرّدين وأكثر.

تذكّر، أن كلَّ نقي لم يمسُسه عقلُ البشر.

عقلُ البشرِ لولبيَّة مُضحكة في فراغٍ اسمه مُستقبل.

المُستقبل وهم… ضبابٌ عند الأُفق… قالت الحكمةُ بشقاء.

اُهرُب… لا تنظُر خلفك، لن تُصبح عمود ملح لأنك لا تستحقُّ ذلك.

أجملُ الأشياء أن تنسى أنك بشَرٌ… مخلوقٌ… موجودٌ غصبًا وكُرهًا.

لا تنظُر خلفك. وهمُ الماضي كالحاضِر تحت قناعٍ مُستتِر.

المُستقبل عشُّ الدبابير، كما الماضي جُحر الثعابين والسُمّ الزُّعاف.

ليس أمامَك إلا الحاضرُ، غصّةٌ، وحُزنٌ وبكاء.

دعك من قُبلةِ الوداع. ما هي إلا لسعةُ فناء… شِفاهُ المستقبل داءٌ بُرمِجتَ عليه لتستهلكَ الخِداع.
ليتك تعلمُ أنك مُبرمَجٌ على الكراهيَّة باسم الحُبّ، تمتصُّ ثقافةَ الفردانيَّة، سعادةَ البقاء على حساب كلّ الأرواح والأشياء… تستهلكُ، تُخرِّبُ، تستحوذُ ما شئتَ غصبًا باسم ربٍّ لم تعرفه… كلما اقترفتَ إثمًا شكرته على نعمةِ العطاء.

ليتك تتنفسُ الحقيقة فتتفتّحُ أبوابُ السماء.. تهربُ إلى هناك حيث لا حياةَ… لا فناء.

أنت مجرَّد ورقة على طاولة قمار… في حانة بغاء.

بيكسل أنت في خوارزميَّة الكون… بَيدقٌ منسيّ في لُعبة شطرنج.
مجرَّد حبّة رمل على شاطئ عُراة، زُناة… مثليين.

لا توافقني… لا تصّدقني… كلانا لا شيء في اللاشيء.

لا تكذِب وتحاصرني فأنت لا تعرف اللُّعبة… لا يمكنك حتى تصوُّر اللاعبين.

مقاربتُنا الوحيدة هي أننا بيادقُ تافهةٌ في لُعبة شطرنج رُقعتها كونٌ بكامله في نادٍ مرصود ليوم موعود لا يعرفُ سرّه إلا صاحبُ الحانة.

متى كان للبيادق رأيٌ حتى في مماتِها أو أتفه الأشياء؟

على الطاولة آلافُ البيادقِ الحقيرةِ يُسعدُها لقبُ الترقي الى رخٍ أو حصانٍ يختاره مُقامرٌ أسميناه إلهًا.

من يكترث لحقير مثلك؟

أنت وهمٌ، عالمُك وهمٌ، آلهتُك وهمٌ… كما كلّ أترابك وذويك وذُريَّتك.

تمعّن في المرآة، تمعّن جيدًا، سترى نفسَك مرسومًا، تحبُّ نفسَك… لكنك لستَ أنت. أمامَك نُسخةٌ معكوسةٌ ككلّ شيء تراه… كذب وهراء. مفروضٌ عليك أن تصدِّق الوهمَ، أن تحبَّ وتقدّس نفسك حتى لو كنتَ متخلّفًا بشعًا في قواميسِ البشر. كل شيء مفروض عليك، خلاياك، تفاصيلك، اسمك ودينك، كما الأرض والسماء. مفروضٌ عليك التنفُّس والشُّرب والأكل. اللغة وثوابتُ البشر، تسميةُ الأشياء  وتعاريفها. حتى الحُبّ والكراهيَّة اختراع بشري تبنّيتَهما بفرح الرضيع لثدي يلقُمه… لأنك وهمٌ لا رأيَ لك.

بعد كلّ هذا ألا تخجل أن تُعلنَ أنك حرٌ الرأي والفكر والتصرُّف… كم أنت، وأنا وكلّ البيادق متوهمون أننا أحياءٌ… نُقسم على ذلك بربّ السماء.

أتعرف من هو ربُّ السماء؟

ربُّك غير ربي… لأنهما مُتخاصمان، كلّ منهما يدّعي أنه السيّد المطلق رغمًا عن آلاف المُنافسين في سوق الوجود المتوارث.

ويلك لو تمرّدت على أي شيء. سيستبدلونك ببيدق جديد تمّ تنظيفه من رائحة العفن البشريَّة التي ترنّخت في مخزن أسود عفن مذ جاءت فكرةُ الوهم. المفارقة المُبكيَة يا عزيزي أنهم أقنعوك أنها رحيقُ وجودكَ المميَّز ببشريتك.

قبل أن تُجادلَني… تنبذُني وتهربُ إلى حيث لا رجعة، من دون اختلاس أو نظرة وداع، فكّر جيّدًا بمُسلسل وجودك المُخزي.

أخبرني عن انسانيَّتِك المحتقَرة، حريَّتِك الكاذبة… بِخس ثمنك تأكُله الديدان… غصبًا.

اُهرب إلى الفناء… اُخرج من برنامج اللُّعبة… اِضغط على مفتاحِك السرِّي لتتفجَّر من أجل نفسِك لا من أجل حياةِ حصان أو قلعة… بل الملك نفسه… لتنهَر الحانةُ بما فيها… اُهرب بعد ذلك إلى حيث لا تعرفُ الطيورُ والأشجارُ أنك بيدقٌ على رُقعة شطرنج الوجود، أو بيكسل في برنامج أطفال الآلهةِ المسلّي.

فكّر جيدًا بعيدًا، بكل الميّزات التي جعلتك عبدًا طائعًا مُبرمجًا. تمّت برمجتُك على الخُنوع باسم الحريَّة والديمقراطيَّة، أعظم أسلحة الطُّغاة. ظننتَ نفسَك إنسانًا، وطنيًّا… فتمرّدتَ. يا لها من نُكتةٍ أضحكت اللاعبين فتندّروا بها فكهين. بعضُهم اعتبرها غلطةً برمجيَّة تمّ تصحيحُها بإبادتك والبعضُ أدخلها فُكاهة. من الصَّعب معرفة ما إذا كنتَ مُبرمجًا بالدناءة والوقاحة، أم أنَّ عفنك الداخلي زيّن لك التضحية والبطولة في مسرحيَّة الوجود. دورُك، كما كثيرون من البيادق تافه… ليتك قرأت بقيَّة النصّ قبل قُبول الدور، لكنهم لم يعطوك عَقدًا، ومع ذلك ألزموك الشخصيَّة بلا قيد أو شرط. آه يا مسكين ليس لك ترف الاختيار رُغم تأكيد المُخرج أنك مهمّ، عظيم وطني… ضحكوا عليك لتبذل روحك، دمك أمام بيدق آخر تعلم أن قتلك عظمتُه. نعم، قد تكون محبوبًا كما فرض البرنامج ليزيدَ من عناصر التشويق، فشهادة بيدق شهم يزيد رواد برنامج “الأرض الساذجة” في مجرة أندروميدا. شعبيَّتك المرتفعةُ طُعم لاصطياد إخوانك البيادق في رحلة صيد الملك التعيس… تركته الملكة مع البيادق لتُضاجعَ أسيادَ اللُّعبة فولدت مُسلسل الأنبياء.

غبي جاهل أنت… مثلي تمامًا لا تعرفُ حتى اسم المخرج أو الكاتب. أتعابُك علفُك المزيّن بالرفاهيَّة، تلك الصفة التي أفرط والداك ورهطُك بجعلها جنَّةً لا تنتهي وسؤددًا لا يزول. كلُّك مبرمجٌ، حتّى مشاعرِك… تخلّص من أوهامك، اُخرج من خوارزميَّة البيادق ليسقُطَ كونُك الوهمي وتبقى بيادقُ العفن سارحةً في جُمودها. لا تصدّق أنك من الأهميَّة بمكان يستدعي إعادتك للحياة، لتأكل وتنكح. هناك عددٌ لا يحصى من المخلوقات التي تفعل ذلك. أنت وهمٌ، وهنٌ… لا شيء. تموتُ من لسعةِ فيروس ميكروسكوبي، تموتُ لو حُرمتَ الهواء… الماء… الغذاء. يتخلَّصون منك غذاء لديدان الرمم التي تأكُلك في الظُّلمة لأن الضوء يفضحُ بشاعتك. لا تخشَ، الأمر أقل مأساة وخوفًا من دورك في مسرحية الوجود. تموت خائفًا من الأخوين “أنكر ونكير” بينما تحتفلُ الديدانُ الجائعة بوصول الـ “ديليفري”.

لن تهرُب، لن تُغادر، شأنَك شأن الرُّعاع والفلاسفة سواء، تعرف أنك تائه، تافه، ككلّ البيادق التي تساقطت أمامك، بعيدًا عنك، قبل أن تخرُج إلى الحياة بيدقًا طفلًا بريئًا ومع ذلك تفرح. سيستمرُّ القتلُ والكذبُ عند كلّ بقعة يتنفس فيها بشرٌ إلى أن يقرّرَ المُخرجُ إنهاء هذا المُسلسَل المُسلي مع نهاية هذا الموسِم.

حقّك أن تبقى… أن تطمَع بالجائزة… أن تُسكرَك أقداحُ الآلهة، أن تُخلص لخوارزميَّة لا تُسرّب أخبارها. ستُبعث من جديد، قالت العرّافات عبر العصور… لم يعد أيٌّ كان، حتى منهن… لم يُراسلنا بشرٌ بخبَر. وأنت كذلك بيدقٌ محروق لا يرمّم.

لن تهربَ… لن تتحرَّك قبل إنهاء دورك لترافقَ قافلة منتظري مُكافأة الكسالى والطامعين.

أنت فاقدٌ لرُشدك تتَّهمني بالجُنون والزندقة ككلّ البيادق التي تسقط تباعًا على طريق العودة مع هذا أو ذاك المُنتظَر منذ أيام كريشنا أول المُنتظَرين. هذا حقُّك كعبد مُخلص لخوارزميَّة كتبها عبقري لوذعي على جدار الوهم. عبدٌ تعلَّم كلَّ شيء، إلى أن خنتَ الحقيقة يوم أخبرَتك أن الانتظار غيرُ مجدٍ، لن يصلَ أحدٌ إلى محطَّةٍ رسمها ساحرٌ ولن تتذوق حلوى المطارات… لن تتعطر بعطر الساحرات… لن يُحضِر لك أحدٌ عقد هُجرةٍ بعد الفناء إلى حيثُ تتداخلُ العواملُ والأشياء. لن يُنقذك أحد من لحدِك أو يجمعَ أشلاءك بعدما حطَّمك صاحبُ رقعة الشطرنج وهو يرجز “كش ملك.. كش”.

رحلتَ قبل أن تهربَ

تراكمتَ شظايا كالنسيان، لم يمُت ملكك ولم يرتوِ اللاعبون.

سأُصلي عليك صلاةَ الهارِب… سأرقُصُ وأغني بجُنون، جنازتي وقفٌ لم يشارك فيها أحدٌ لأنني نسيتُ من أنا… أنساهم النسيان إنساني فعدتُ كما جئتُ… جئتُ من هناك وعائدٌ إلى هناك آخر عند بُعد لا يختلفُ فيه مَن هُناك.

محمّد إقبال حرب

اترك تعليقًا