قراءة في كتاب “قبل أن تغيب الشمس” للدكتور علي حرب

شاركت هذه القراءة عبر تسجيل مصور في حفل توقيع كتاب “قبل أن تغيب الشمس” الذي أقيم في مونتريال- كندا في 14 شباط 2026

عندما أخبرني الصديق المُبدع د.علي حرب عن مؤلفه الجديد “قبل أن تغيب الشمس”، أشغلني العُنوان لفترة طويلة. أيتكلَّمُ عن الوجود البشري، عن حالةٍ خاصة أم عامّة؟ أم يتكلَّم عن كوكبِ الأرض بما فيه؟ بل هناك آلافُ الرُّموز التي يمكن تجسيدُها في إطار “غياب الشمس”. فالشمسُ هي الحياة لكلِّ كائنٍ حيّ، وغيابُها الأبدي يعني الفناء، كما بقاؤها الدائم. راودني سؤال غريب حول هدف د.علي حرب من “قبل أن تغيب الشمس”، ما الذي يُنذرنا به لنستدركَه؟ كان ذلك لأشهرٍ قبل صُدور الكتاب، وما أن وصلني حتى انكببتُ عليه بجوارحي، لعلمي، أولًا، بعُمق د.علي حرب وبلاغته وأهدافه،  فهو يكتب بسلاسة من دون اللُّجوء إلى كلمات عبشميّة، ورُموزٍ علميَّة أجنبيَّة إلا للضرورة القصوى، وثانيًا لإثراء جهلي في ما يتعلّق بالشمس التي يقصِدُها.

يتضمَّن الكتابُ أكثرَ من 35 بابًا، مُتنوعًا مُترابطًا، ولا يمكنُ الخوضَ في مضمونه وأبعادِه خلال الدقائق المعدودة التي أشاركُكم فيها كلماتي، لذلك سأكتفي بالحديث عن مواضيعَ مُحدّدة، تنسابُ روافد معرفيَّةً من بُحيرة الكتاب، ممزوجةً بشتّى المواضيع التي لا مجال لتفكيكها في بضع صفحات.

بحثَ د.علي ومحّص في كل ما يكوّن آتون شمس العقل حتّى لا تغرُب، بدءًا من اللُّغة العربيَّة وخصائصِها والحراك الثقافي في المهجَر، إلى النهضة المُعطّلة وصِراعِ الحداثةِ مع نظام العمى، إضافة إلى كمٍّ لا ينتهي من البحث في عُمق الإنسانيَّة وصِراعها مع البشر.

أخذَت الغُربةُ حيّزًا كبيرًا من الفُصول الأولى، وأومأت برأسها عبر الفُصول الباقية، وهذا دليلٌ واضحٌ على عُمق التأثُّر بالغُربة المفروضة على د. علي وعلى جيل بكامله وما تبعه من أجيال. التنقُّل بالجسَد عِبر بلاد الله الواسعة لا يُعتبر خيانةً للوطَن، أو هروبًا منه، فقد فرّق د. علي بين الهِجرة أو النُّزوح من وطَن أو دولة. يقول: “الوطَن ليس الدولة بل أبو الدول بسياسييها وسياساتها، الوطَن مكانُه في القلب والوجدان والضمير، فيما الدولة والسياسة خارج هذه المناطق الدافئة والحميمة” (صفحة 29).

هذا التفريقُ مهمٌّ جدًا، لأن الهِجرة بمعظمها نتيجة سياسات طارِدة، تشرِّدُ المُواطنَ حاملًا معه بعضًا من الوطَن ليبقى حيًا على أرضِ دولةٍ غريبةٍ يحكُمها نِظامٌ عادِلٌ. وأرفعُ القبَّعةَ لكياسة د. علي، عند مُقاربته الاغترابَ إلى بلد عربي والاغتراب إلى بلد غربي، فلم يوسِم العرب بقسوتهم بل شرح سُهولة الهِجرة والإقامة في كندا، على سبيل المثال واحترامها لإنسانيَّة المُهاجر. أما في الدول العربيَّة، فلن يحصل المُهاجِرُ على جنسيَّة مهما طال أمدُ إقامته ومهما حصل، حتى لو ولد على أرضها. اختصر الكثير بكياسة لشرح المأساة. بعد تفصيل  مطوّل، والاستشهاد بالقوانين الدوليَّة، وبعد تأكيده  أن “وطَن الغربة قد لا يكون المدينة الفاضلة المنشودة لكنّه بالتأكيد أفضلُ من دولة الوطَن التي ألجأتك الاغتراب” (ص 38).

بما أن المُهاجر، أيًا كان، لا يحمِل من وطَنه إلا ثقافتَه، المحفوظة بين نياط القلب والوجدان، نراه يفكر في حفظها وحمايتها، على الأقل في اللاوعي. يخاف عليها، يُخطِّط للحفاظ عليها ونقلِها إلى أولاده في وطَن المُغترَب، لكنه يفشل معظم الأحيان. وقد لاحظ د.علي، بفكره الثاقب، حقيقةً يخافها كثيرون، ألا وهي أن الجيل الذي تربى في المغترَب سيكون مُواطنًا أصيلًا للبلد الذي نشأ فيه. أرى، ومن خلال رحلة غُربة طالت أربعة عقود أن ثقافة الجيل الأول من المُهاجرين ستضمر، ولن يبقى إلا الأصيل منها.

الأصيل الباقي هو الذي يتلاقح ويتثاقف مع مُجتمعه الجديد. يُزهر التلاقح الثقافي محبة وسلامًا بسبب هُجرات الشعوب لأي سبب. يعرّف د. علي حرب المثقف العالمي الإنساني برؤية، عميقة مُستقبلية في عصر العولمة، المفروضة وغير المفروضة. يقول: “ليس ثمة مثقفٌ عربي أو غير عربي. المثقف هو ابنُ العالم كله” (صفحة )361.

ويُتابع موجهًا رسالته إلى العربي المثقف:  “قد تختلف المسؤوليَّات، وتقع على عاتق العربي المثقف مسؤوليات وتبعات جسيمة جدًا لا يجوز أن يتقاعس عن حملها مهما كانت الظروف، وعليه أن يثابر على حمل مصباح ديوجين ليلًا نهارًا، للبحث عن الإنسان النظيف، واقتحام كلّ زوايا الظلام في المجتمع لإنارة الطريق أمام الناس”. تندمجُ الصِّراعاتُ السياسيَّةُ والدينيَّةُ والاقتصاديَّةُ والاجتماعيَّةُ في مرجل واحد يسمّى الثقافة، تلك التي ندور في فلكها كما تدور الأرض حول الشمس. الفارق الوحيد أن شمس الثقافة لا تغرُب أبدًا، بل يجب ألا تغرُب ولو لفترة وجيزة. الإنسانيَّة، لا تنام، والضمير لا ينام كما تنام المخلوقات عند غياب الشمس، بل تنازع الموتَ إن أشرفت شمسُ الثقافة على الغروب. من هنا عرفت جواب عنوان الكتاب “قبل أن تغيب الشمس”،  إذ يحدّد د. علي ماهيّة الهدف، فيقول: “عنوان الكتاب يتضمن صرخة تنبيه وتحذير وانذار، استدراكًا لجنوح شمس الثقافة والمثقفين نحو الغياب. فالثقافة هي كالشمس بالنسبة للإنسانية” (صفحة 363).
بورك قلمُك وفكرُك، وعمقُ رؤياك المُستقبلية صديقي وأخي د. علي حرب. ألف مبارك مولودكم الفكري “قبل أن تغيب الشمس” الذي هو زبدةُ بحثِكم وتنقيبِكم في مناجمِ الإنسانيَّة لتساهم في تغذية مرجل الثقافة واستدامة شُعاعها على بني البشر قاطبة، فكما قُلتَ “المثقف هو ابنُ العالمِ كلّه”.

د. محمّد إقبال حرب

اترك تعليقًا