رواية “وخز الماضي” الشبح الأسود على الغلاف

بقلم د. وفاء شعراني

في عالمٍ  قائمٍ بذاته، بنى محمد اقبال حرب بنية روايته الأساسية وفق هندسة مخططٍ نظَّم تدفّقَ الأحداث وواقع الشخصيات في تسلسلٍ معيَّن لإنتاج معنى وتأثير، في بنية رواية ” وخز الماضي ” تحوَّل النص إلى أداةٍ تتحكَّم في نفسيّة القارئ بسقوط الخطاب الرمزي الذي يفترض أن يحمي الناس، سقوط الخطاب الرمزي يُسقطُ ذاكرة المكان فيتصدّع، يتصدّعُ المكان ليصبحَ رمزاً للوجعِ الجماعيّ ينعقدُ ماضياً وحاضراً على نحوٍ مأساوي، في رواية ” وخزِ الماضي ” فواجع وكوارث يسردُها على جرحٍ مفتوحٍ ينزفُ وينزف، صارتْ الأمكنة نصَّاً مأساويَّاً، وكذلك الزمان .

كأن الرواية تنتقل من الورق إلى المدن والبلدات، إلى غرفِ الناس ، تلحُّ عليهم بسؤالٍ ثقيل : كيف نعيش في بلدٍ يتكرّرُ فيه الإنهيار كقدَرٍ يوميّ، كيف نكتبُ ونقرأ كي لا يكون الألم عاديَّاً، لا مناص من أن لا نكتفي بالقراءة الأدبية بل نخوضُ غمارَ وقفةٍ أخلاقيّة، إن أحداثَ الرواية وثيقة العلاقة بالبنية العميقة لواقعِ حياتنا، كسرتْ الكوارث حواجزَ المعنى، كان محمد اقبال حرب يجرُّنا إلى مواجهة الواقع بكل وحشيته ، يتضامنُ مع ( أدورنو ) في مقولتِه عن أن كتابة الشعرِ بعد تاريخ معتقل أوشفيتز هو فعلٌ بربريّ ، ويتضامنُ معه في وجه مقولة ( هيغل ) عمَّا إذا كان الإبداع أداة التصالح مع العالم، يجمع محمد اقبال حرب “رزمة ” كوارث في ” وخز الماضي”، يقدمها شهادة اعترافٍ ( أدورنية ) بأنه لم يعد هذا العالم قابلاً للتصالح .

حكاية الرواية وقولُها وبنيتها تقوم على حبكةٍ محض نفسيّة ، لغتُه واكبتْ الضياعَ والهذيان يصيب بطله ( ماريو ) استطاع الراوي تمديد ماريو عل كنبةِ التحليل النفسي، رجلٌ عاقر، حبٌّ فشل بعد سنين من الزواج، يلجأ إلى علاقاتٍ حميميةٍ افتراضية يُتبِعها بلقاءاتٍ تُمتّعِه بنصف النساء العلويّ ونصفِهنَّ السفليّ، عاش تلك التجارب هروباً من واقعه، يصاب بصدمةٍ  مزلزلة لدى استلامه عبر المسنجر رسالةً مقرونةً بدليلٍ طبيّ من امرأة أقام معها علاقة عابرة بأنها حامل بنطفته. وبذلك يبدأ ماريو البحث عن حقيقة عقمه وعن المرأة التي حملت منه من بين علاقاتٍ متعددة منتشرة في أرجاء متباعدة ولكن الانهيار الكارثي يحل بالبلد هنا يبدأ ماريو قوله وهو في الرواية عودة بالزمن الى الوراء عبر معاناته النفسية وقلقه وهذيانه .

في الحوارات القائمة على طابعٍ نقديّ، متعة القراءة تبدو محكومةً بموقع ينمو ويختلف ليكون ابداعاً، وليس موازاة، في حوارات الرواية القائمة ايضاً سألني وقال لي، امتاعٌ حقيقي للقارئ، ومؤانسة على ايقاعٍ عالي التوتر بالوصف والسرد

وازدواج المعاني، حقّقهما محمد اقبال حرب، الكتابة ما هي عليه عنده كرم، كرمٌ يطال العقل والمخيّلة والحواس والذاكرة خصوصاً، لغتُه شديدة التفرد في تشريح ثنائية أطرافٍ متقابلة ( ماريو وزوجته، ماريو وبوب، ماريو وليلى )، ثنائية الكتابة والكارثة، الأدب والواقع، الروح والجسد، تمرُّسُه ألغى كل التعاطي الفكري المادّي في فهم العلاقة بين الأطراف، كان وهماً أن ينحازَ الكاتب في لعبته الفنية وفي العلاقات الصراعية ( خطاب الذكورة ، خطاب النسوية ) إلى موقعٍ دون آخر، لقد ترك للغة ان تقول في تركيبتها البنائية أين يقع مرمى الكتابة، تكلمت كتابتُه في ” نشيد الوحدة ” و” العزلة “، وقد هندسها الكاتب على هيكل ” رهين المحبسين ” الخالد، ليس بعيداً عن أحداثٍ واقعية عجائبية جعلتْ شخصيات الرواية يأتون جميعاً كما خُلِقوا أوّل مرة يموجُ بعضُهم في بعض في لحظةٍ زمكانيّةٍ رهيبة، إنها المُنجز في الرواية، المكان: مار مخايل، الزمان : 4 آب، لحظةُ استيقاظ ” غريغوار سامسا ” في ” المسخ” ليجد نفسه وقد تحوّل حشرةً يتسابق إليها ( ماريو ) و ( بوب)، يتعادلان حيناً ويبتعدان أحيانا، يجرّان معهما الآخرين، تعود وتنمو حركةُ الكتابة باتجاه مصدرها، ما هو الذي يتحوّل في سيادةِ نظامٍ عالميّ متوحش يدّعي ليبرالية تعطي الفرد وظيفةً وحيدة في أن يكون مستهلكاً: اشترِ، وأن يكون خاضعاً لتجارةٍ مقنَّعة، ارتدِ الكمَّامة، و” ثائراً” لتخدمَ ثورتُه مطامعَ النظام والطبقةِ المارقة فلا تعود الرواية حدث قلقٍ عابر بل جذريٌّ، كلّما استكملت شخصيات الرواية حلقة من ذكريات الماضي ( بدءاً من الطفولة وأحداثها ) يتدخّلُ الحاضر بوحشية، ففصولُ الرواية فصولُ السؤال عن الماضي وحروبه المتجددة، عن الهجرة والغربة والضياع، مجبولاً بكوارث الحاضر والإفلاس والتسوّل، وبالقلق الوجودي.

كيف الهروب من الماضي؟

 لقد أخفتْ التكنولوجيا في الرواية بؤساً انسانياً ينصبُّ على مفهوم إشباع الرغبة وهي ليست مجرّد حاجة تحرم من الوصول الى الإكتمال الروحي، الشبح الأسود على الغلاف بلا ظل يجرّ وراءه خيطاً رفيعاً أسود اللون وقد أحنى رأسه تحت عنوان الرواية ” وخز الماضي ” سيتوصل الى فهم دوافع سلوكياته بتحويلها الى طاقةٍ بناءة في شطحةُ الإنصهار بين الأنا والأنا في  أرقى مراحل التوحد الروحي، النجاة من أواليات دفاع اللاوعي حين تذوب “الأنا” البشرية المحدودة (الذات) في “الأنا” المطلقة، ينتقل من الوجود المنفصل إلى الوحدة الوجودية، متجاوزاً الانقسامات، ليصل إلى حالةٍ من الوجود بالله لا سواه. يستفيق ذلك المجهول الكامن التوّاق الى السماء،  شيخٌ مستخدما استعارة الطيران بجناحين والخيال الأسطوري، يرشده، الى توسيع مدار الوعي الداخلي ليصبح البحث عن الروح مشروعا وجوديَّاً وفي فصلٍ من فصلين يحملان عنواناً الأول بداية البوح والثاني آخر الهمس ( الفصول الباقية مُرقَّمة )، بين البداية والنهاية سيعرف الطريق الى معابد الوحدة بعد أن كانت غابة الطريق تكتنفها غباشةٌ داكنة، تحمي وجهي القمر بالحب والكراهية وبالسموّ والتواضع، بعد اللهاث، ركض بعيدا في الفلاء بين الأشجار، تجاوز القمر وتسلَّق النجوم يفقد مداره وينهض مذعورا، يصلُ إلى عهد الإنصهار بين الأنا والأنا فإمَّا أن يبني المريدُ معبدَه أو أن يفنى من دون ذلك.

 هل وقعت الرواية في المبالغة بين حدَّي التكنولوجي والعجائبي؟ أم كانت المبالغة وسيلة الكاتب لإضاءة مواقع الألم الذي نهضَ منه السرد، تذكرُ مرويّات حادث انفجار المرفأ ما يفوق ما حدث لماريو، ومَن الذي أصابه التعب أكثر: محمد اقبال حرب أم ماريو؟ ماريو أم بوب في ملاحقة الزمن اللاخطّي؟  كان فقدان الذاكرة بدوره أواليّةٌ دفاعية، الذاكرة والنسيان يتكاملان ( بول ريكور )، امتلكت رواية د. محمد اقبال حرب قدرةً على جعلِ ألم الضحايا صورةً مرئيَّةً للعالم، كذلك كان يريد ( محمود درويش ) في كتابه ” ذاكرة النسيان ” لتخليد تجربة الضحايا، وكذلك النوبليّة ألفريدة يلنيك التي قالت يوماً بأن مأساة عائلتي دفعتني للكتابة .

اترك تعليقًا