قدّمها د. محمد توفيق أبو علي
من سيميائيّة العنوان أبدأ، مشيرًا إلى مفارقة لافتة، من زاوية لغويّة محضة، يتضمّنها العنوان؛ فكلمة وخز مصدر؛ والمصدر لغةً اسم يدلّ على حدثٍ_ أو معنًى_ غير مرتبط بزمن.
وهنا في هذا العنوان نراه قد اقترن بالزّمن الماضي؛ وكأنّه يشي بأنّه نتاج ماضٍ؛ ولكنّه يتجاوز الأزمنة كلّها .
ومن زاوية دلاليّة، فاستعمال الوخز للماضي، يدلّ على الألم العميق الذي سبّبه ذلك الماضي. وهذه السّيميائيّة تتوافق مع سياق الأحداث في الرّواية، منذ الاستهلال حتّى الخاتمة .
ولعلّ مفارقة العنوان تقودنا إلى نعت الرّواية بأنّها رواية الأضداد المتآلفة؛ كما سيتبدّى لنا لاحقًا.
ومن سيميائيّة العنوان، أنتقل إلى الإهداء؛ وأوّل ما يلفتنا فيه، أنّه خارجٌ عن النمط النّمط المعهود؛
فهو يعتمد المجاز والتّأويل؛ وفهمه يدخل في باب الاحتمال الذي قد يوصل إلى رَدْهة اليقين؛ وهذا الإهداء يتماهى مع السّيميائيّة التي بدأ الكلام هلى الرواية بها ؛ فالوجود ضوضاء، والوحدة الأزليّة منجاةٌ… ولكن على وسادة الفناء.
وبعد؛ فالدّخول إلى تضاعيف الرّواية، يرينا هذا التّضادّ المتآلف العناصر المفعم بسرد ممتع مشوّق، يزدان بتنوّع أسلوبيّ يراعي مقتضى الحال، بين بلاغيّة واضحة، وإبداعيّة مستترة متوهّجة، وفق ما تستدعيه تقنيّة القصّ .
هذه الوحدة الأزليّة التي وردت في الإهداء، قد بدأت ملامحها تظهر من خلال بداية البوح؛ وبدأ ماريو رحلة الكشف، في سياق من الاضطراب الفكريّ والعَقَديّ والمعيشيّ الذيبدأذاتيًّا ثمّ اتّصل باضطراب الجماعة، من خلال آثار الحَراك الشّعبيّ المشهور، والممزوج بقلق الكورونا؛ وقد وصل هذا الاضطراب إلى ذروة من ذراه، حين اكتشف الأميركيّون أنّ اسمه الأصليّ هو: باسل علي نصر الله؛ ثمّ نتابع السّياق، في أنساق متباينة متجانسة، بين حقيقة ومجاز، وواقعيّة وغرائبيّة؛ كلّ ذلك، والقلق يتعاظم، حتّى وصل إلى معاناة العقم التي حوّلت حياته إلى عبثيّة لا تُقاوَم .
وبدأت الكوابيس تترى، مع إعادة النّظر بالمفاهيم العَقَدِيّة والفكريّة والاجتماعيّة، من دون الوصول إلى قرار يوحي بالطّمأنينة. وحاول ماريو_ باسل الهروب من وحدته التي كانت هدفه الأوّل، إلى الاأصدقاء والنّت… ولكنّ ذلك لم يشف غليله. وقد انتهت رحلة هروبه في مراحلها كافّة إلى سرابٍ كان يمنّي نفسه بأن يكون ماءً… وسقطت أحلامه دفعة واحدة، في لحظة ترقّب الوصول إلى السّعادة المنشودة.
واللّافت أنّ الكاتب قد استطاع، بحرفيّة عالية، أن يحمّل أبطال روايته رسائل متنوّعة في سياقات ومجالات متعدّدة، من دون أن يقع في الوعظيّة المباشرة.وقد ساعده على ذلك الخلفيّة المعرفيّة والثّقاف يّة التي يحوزها. وممّا يجدر ذكره، أنّ الكاتب نجح أيّما نجاح، في حسن استثمار الزّمن السّرديّ، بين استرجاع واستباق، من دون افتعال أو تصنّع. والأمر اللّافت أيضًا، هو قدرة الكاتب على الجمع_ كما أشرت_ بين
الغرائبيّة والمألوفيّة، في نمط سرديّ يجعل التّشويق مطيّة، لانسياب الحدث، من دون فصل حادّ، بين تخوم الواقع وحدود الخيال .
ومن الأمور التي تسترعي الانتباه، أنّ كلّ شخصيّة من شخصيّات الرّواية، يكاد يصحّ فيها، أنّها شخصيّة رئيسة، مهما كان دورها الوظيفيّ صغيرًا.
وبعد، فإنّني أتقدّم إلى الصّديق الدّكتور محمّد، بالتّهنئة الصّادقة، لهذا الإنجاز الإبداعيّ المهمّ، راجيًا الله تعالى أن يمدّه بالعافية والطّمأنينة؛ لكي يبقى مبدعًا متألقًا.
د. محمّد توفيق أبوعلي