“وخز الماضي”، امتدادُ وخزٍ وتفاعلات

قراءة نقدية قدّمها د.عماد فغالي لرواية “وخز الماضي”


رافقه وخز الماضي على امتداد الصفحات، كأنْ يقول إنّ خيارًا في بدايةٍ، أو على منعطفٍ طريق، يحوّل المسار كلّه إليه ويصبغه بتداعياته الحياةَ في أسرِها. هذا ما أتاه محمّد إقبال حرب في روايته “وخزُ الماضي”، مركّزًا على بطلها ماريو، حتى تظنّ أن لا شخصيّةَ غيرَه رغم بعضِ ذكرٍ لأسماء، تمرّ كزخارف تزيينيّة يخالُ لكَ أحيانًا.

في هذه، الأحداثُ الروائيّة تمرّ بطيئةً، فيها من شرح الحالة والتحليل النفسيّ ما يُثقل التقدّم السرديّ، ويخفّف من الانتظارات التشويقيّة للتسلسل. هذا لا يُضعف البناءَ الروائيّ في السياق، بل يقصدُ تقويةَ الفعل الدلاليّ اليتجلّى مرسلةَ الكاتب الأساس!

لا بدّ تأتي ساعةٌ، وأتت في تغيير حالة البطل، عند تبلّغه خبر وجود ابنٍ له، وهو في المدّ النصيّ معلَنٌ عقيم، تتابعت الأحداثُ بعجلٍ تشويقيّ، وبرزت شخصيّاتٌ فاعلة استطاعت إحداهنّ أن تنافسَ شخصيّة ماريو على البطولة!

“وخزُ الماضي” تُقرأ من نواحيَ متعدّدة، نفسيًّا واجتماعيًّا وموضوعاتيًّا، لكنّها في تلك كلّها، إن ترحْ خارجَ القراءة الدلاليّة، تنزحْ من غير إصابة! ماريو أنموذجٌ للضحيّة التنساق إلى الذبح، وإن بان البطل الفاعل في تسيير السياق الروائيّ. في عالم المثاليّات الأخلاقيّة، في لبنان خصوصًا والشرق بعامّة، التضحيةُ عنوانٌ كبير في العلاقات الزوجيّة. يعرض محمّد إقبال حرب لكسر الشخصيّة البطل حلقة الالتزام الزوجيّ عند بروز توتّر العلاقة مع زوجه بسبب العقم المزعوم! فكان أن راح في علاقاتٍ بديلة تسمّيها النمطيّة التقليديّة خيانةً، وتصنّفها فعلاً إراديًّا مقيتًا، ومرفوضًا في منظومة القيم والمبادئ… لكنّ دلاليّةَ العرض الروائيّ تأخذنا إلى جديّة الاعتقاد كم البطلُ ضحيّةٌ هو، لما أخذته نيّاتُ الآخر وتخطيطاتُه إلى مساراتٍ لو بدت ظاهرًا خِياره، انقاد إليها تدريجيًّا، ضحيّةً لِما آلت إليه حاله وطُعنتْ كبرياؤه. وانقاد ضحيّةَ المرحلة الزمنيّة الملأى بالمتغيّرات المعيشيّة والظروف الفرضتها الأحداث خلالَها.

اختار محمّد إقبال حرب إطارًا زمانيًّا لروايته، مألوفًا عند اللبنانيّين، ومادّةً دسمة للأدب والفنون. انفجار مرفأ بيروت وما حوله من الأزمة الاقتصاديّة والجائحة الوبائيّة كورونا. أدخل الكاتب الفترة الزمنيّة هذه وبيروتَ مكانًا لروايته في انسيابٍ سياقيٍّ كأنّما وُجدا خدمةَ المضمون الروائيّ ل “وخز الماضي”، خصوصًا في الزخرف المتعلّق باللقاء المفصل في الرواية، الجمَعَ البطل بأمّ ابنه وموعد التعرّف به.

هذا الحدث الروائيّ دلالةٌ مباشرة للواقع الجماعيّ الأصاب مدينتَنا بيروت في صميم وجودها الإنسانيّ ورمزيّتها الحضاريّة قاطبةً. واستطاع الكاتب أن يُدخل إرادة بطله ماريو دخول العزلة الشخصيّة، في صميم العزلة العامّة الفُرضت على المسكونة نتيجةَ الوباء الكونيّ، فصار بطلُه رمزًا هو الآخر للانقطاع الجماعيّ عن كلّ اتّصالٍ بالخارج!! كأنّما الوباءُ الوصاليّ الذي شكا منه ماريو، توسّعت دائرته فأقيمَ على مستوى العالم في أسره…!!

“وخزُ الماضي”، عنوانُ الرواية… هو في الحقيقة الفاعلُ فيها، يسيّر شخصيّاتها، ويسوق مجرياتِها… لا يقومُ حاضرٌ لا أساسَ له في الماضي. قيل: الإنسان يحصد ما زرع. أراد الكاتب أن يدخلَ عالمَ الإنسان من خلال تأسّسه على تاريخه الشخصيّ والعلائقيّ. حتى قراراته تبقى رهينةَ الركائز البنى نفسه عليها مدّةَ حياته. كلّ تغييرٍ في نمط عيشه متعثّرٌ بمسلكيّاتٍ اعتادتها رتابتُه، ومتأثّرٌ بتملّكها فيه… الحالةُ في “وخز الماضي” تداعياتُ انحرافاتٍ ماضية سلكها البطلُ ماريو، ودفع جهدًا عارمًا في تخلّصٍ منها لم تأتِه نتائجَ مرجوّة!

محمّد إقبال حرب، متمسّكٌ بيراعته، تنقلُ بابداعٍ أدبيّ صورةَ الناس إلى الناس. لا بدّ يرى القارئ، في نصّ هذا الأديب، انعكاسًا لما يعيشه أو يعاينُه، فيتكوّن متأمّلاً واعيًا لأحداثٍ وحالات بشريّة، وتفاعلاتٍ إنسانيّة مختلفة. ويكون الأدبُ مساحةً نخبويّةً للمداركِ السميا، تضيء خبايا الواقع الإنسانيّ في وجهاته النفسيّة والمجتمعيّة، وتأثيراته المباشرة وغير المباشرة على حياة الأفراد والجماعات، وتهدي أمثولاتٍ أنموذجٍ قد تغيّر في الخيارات الأوّليّة وتشعّ قبسًا على غدٍ تبغيه أكثرَ إشراقًا وسعادة!!!

في 3 شباط 2026

اترك تعليقًا