بقلم الناقدة سمر الديك
دراسة ذرائعية لرواية العرَّافة ذات المنقار الأسود
:مدخل
لا شكَّ أن الرواية عجينة التاريخ البشري، هي تشكيل للأحداث بالإعتماد على شخصيات متفاعلة، إما بشرية أو حيوانية، تتفاعل مع الوسط الذي تدور فيه تلك الأحداث، لكي تصل في النهاية إلى غاية سياسية أوإجتماعية أو فلسفية…فحاجة الإنسان إلى رواية الأحداث التي تقع له و دفع الآخرين إلى مشاركتها هو انتقال تجاربه و أحساسيه إلى الآخرين، و هي من الحاجات الفطرية للإنسان التي ينقل فيها حاجته إلى العالم الخارجي بطرق مختلفة.
:المستوى البصري
أول ما يلفت النظر هو العنوان “العرَّافة ذات المنقار الأسود”، العرافة هي التي تمارس التنبؤ بالمستقبل، و استخدام وسائل خفيَّة أو خارقة للطبيعة، حيث كانت ممارسة العرَّافة تجري من خلال قراءة مختلف الإشارات السماوية (شروق الشمس، غروب الشمس، وضوح الرؤية…)، و عادةَ ما تُمارس بشكلٍ فردي.
“إن اللعنة قد حلًّت على المزرعة منذ أن اقترب القمر الأزرق بدراً من الهضبة المسكونة بأرواح شريرة صبَّت لعناتها على أهل المزرعة الذهبية، ما أسفر عن مطرٍ رذاذه أصفر اللون، كريه الرائحة” ص17.
و اللون الأسود من خلال دلالاته السلبية يرمز إلى الإكتئاب، و الموت، و الشرّ، و الإحباط، و الخوف…لكن نجد في المقابل العرَّافة ذات المنقار القاني التي أنقذت المزرعة من العقم، و استخدام الألوان و أهميتها مذكور في القرآن الكريم، حيث يقول جلَّ و علا: “بقرةٌ صفراءٌ فاقعٌ لونها تسرُّ الناظرين” آية 96-سورة البقرة.
جاءت الرواية على امتداد مساحة ثلاثمائةٍ و خمسٍ و عشرين صفحةٍ، على لسان الطيور و فقَّاسي البيض، و النقَّارين، و نقَّادي الحبوب و الديدان.
:المستوى الأخلاقي و البؤرة الفكرية الثابتة
يُثير الروائي قضايا اجتماعية وسياسية في غاية الأهميَّة، فيبوح للقارىء بواقع مليء بالصراعات، و المفارقات محاولاً أن يكشف المسكوت عنه من خيانات، و دسائس، و مؤامرات، و ترويع، و إرهاب، لتحقيق الأطماع الشيطانية التي تراود الماديين السفلة للقبض على رقاب الدنيا.
فلجأ الكاتب إلى أنسنة الطيور والحيوانات، وشخصنتها، على نهج “كليلة ودمنة”، باستخدام أسلوب السرد الروائي، وتقريب أحداثها لواقع البشرية الحالي، المليء بالخوف، و القمع، و القتل، و تسلُّط الأقوياء على الضعفاء…
دارت أحداثها حول “بني تراب”، و “بني دجاج”، حيث وظَّف الطيور مؤنسنا إيَّاها…وهذا ما لمسناه انطلاقا من العنوان “العرَّافة ذات المنقار الأسود” الذي تخطَّى دائرة المألوف، وولج بنا إلى عوالم مختلفة ليشير إلى إشكالية الصراع بين “بني دجاج”، ويُسقطها على بني البشر من خلال شخصيات الرواية “سهم الأكبر” الزعيم المؤسس الذي أكرمه الله بالذكاء المميز، حيث أصبحت المزرعة وطناً لأحفاد سيدنا “سهم”، و تأليه “سهم” المجد الأكبر.
وهناك “ودَّان” القائد العسكري في المزرعة “مشاعره هائمة في عالم الصوفية التي تُقرِّبه من الحقيقة التي تنير درب عرفه المُقدَّس” ص193
وهناك “ضجَّاج” حاكم المزرعة، ففي حواره مع الدجاجة الغريبة الهاربة من القتل والذبح قائلاً لها:
“ألا ترين هذه الدجاجة، منقارها أحمر قانٍ لامع يدل على قدسية علمها المنبثق من عمق الوجود والمُتأجِّج بنور الآلهة المُباركة، أما أنتم فدجاجٌ أبيضٌ صناعي من جماعة الزعيم الأكبر تحملون الشؤم أينما حللتم” ص40.
و هكذا نرى أن “ضجَّاج” حاكم المزرعة لا يسمح للغرباء بالدخول إلى مزرعته إلا بعد التأكد من غايتهم، و دوافعهم، التي يحملونها في شخصياتهم، والإستئناس بالعرافة ذات المنقار القاني.
لقد أظهر لنا الكاتب صراع الحضارات والطمع في السلطة من خلال سرده لمخاض عسير لبيضة مسحورة، سقتها العرَّافة شراباً شيطانياً، فعاش أفراد المزرعة في ترقُّبٍ وتوجُّسٍ بأن يكون المولود ذكراً. ص17. إلى أن تمَّ تفقيس البيض وولدت الدجاجة ديكين، ففرحت و ابتعد عنها الخوف من طردها خارج المزرعة من قبل “ضجَّاج” حاكم المزرعة.
“فرحت ودارت سبع دورات حول صوصيها و سبعاً حول زوجها ودَّان” ص19.
كمان أجاد الكاتب في طرحه لقضية الوجود، من خلال ثقافته، واطلاعه الغزير على فلسفة الشعوب، وهذا ما دلَّ عليه في الحوار الذي دار في مزرعة “أبو نبُّوت” بين زعيم العصر الحالي، و الآمِر:
“مازالت المشكلة قائمة فمنذ سنوات ونحن نُجري التجارب دون جدوى، أدرك أن هذا الموضوع يقلقكم كثيراً فأنا على علمٍ بعمق اهتمامك به.
الزعيم: ليس لأنه يقلقني، بل لأنه يقلقنا جميعاً إنها قضية وجود أتفهم؟” ص29.
وهكذا يُظهر لنا الروائي مخاوفه من الحكومات التي تتحكم بمصائر البشر، بإثارة الحروب، والقتل، والدمار، فاستخدم الرمز للتعبير عن المشكلة على لسان “ضجَّاج” حاكم المزرعة:
“في أعماقي فأنا أخاف غضب سيدنا نقَّار، وثورة روح سيدنا سهم، زادني كلام العرافة ذات المنقار القاني إيماناً فأضحى ودَّان حبيباً أرجو أن يعود ومن معه سالمين غانمين”ص72.
:المدخل اللساني والجمالي
جاء أسلوب الرواية ليُمثِّل رشاقة السرد بجمله المُسترسلة، والحوار بين الشخصيات الرئيسية في الرواية، ف “ودان” القائد العسكري في المزرعة بمشاعره الهائمة في عالم الصوفية التي تقربه من الحقيقة التي تنير درب عرفه المقدس، يوضِّح لزغلول، المؤرخ الأزلي لعالم الطيور، فضل العرافة ذات المنقار القاني و استعانته بها قائلاً لزغلول:
” أنت ما هداني إلى فك رموز أبوابها لكن ما إن ولجتُها حتى وجدتني في متاهةٍ عظيمة تعبق بزيفٍ كثير يطغى على أسرار حكمتها.
زغلول: أتظن أن أسرار الحياة المقدسة جواهر ملقاةٌ على شاطئ الحياة؟”.
لقد أجاد الكاتب في استخدام تقنياته السرديّة، حيث اعتمد على مسار روائي سردي أدخل القارئ بين الحداثة والأصالة معتمداً الرمز الحداثي (توظيف الأنسنة) على لسان بني الريش و شخصنة شخصيات بني الريش، على نهج “كليلة و دمنة” مع اختلاف رؤيتهما، و سأشير إلى ذلك لاحقاً.
إضافةً إلى استخدامه الرمز لتقريب أحداثها للواقع الحالي للبشر المليء بالخوف، و القمع، والتسلُّط.
“أحجار الحياة الكريمة قد تكون في أي من ركام المتاهات لذلك عليك التنقيب والتمحيص، وإجراء الاختبارات حتى تعلم المزيَّف من الحقيقي كي تفوز بالجوهرة الأم فيشع قلبك بنور الحقيقة وتتفتح خزائن حكمتك قرابين لعرفك المقدس” ص193.
“عليك بالعين الثاقبة، عين القلب فالجوهرة المزيفة تلمع لأي سبب كسرابٍ لا خير فيه فيما تُبرق الحقيقية لوهج الأعراف المقدسة فقط، الجوهرة الأصلية تزداد بريقاً كلما مرَّت بالتجربة”.
لقد أجهد الكاتب نفسه للمزاوجة بين الخيال و الواقع، وهذا دليل على امتلاكه خيالاً ثرياً…كما نراه غاص في أعماق الرموز و الدلالات، فأخرج لنا أسراراً في أبراج الدجاج لإيصال رسالةٍ للمتلقي ذات فوائد…مستخدماً في سرده أسلوب البطل الموازي من خلال الإنتقال بين أبطال روايته.
وهكذا نجد أن الكاتب دوَّن تاريخ البشرية بوقائعه، و أساطيره، بأبطاله، ومحتشديه، من خلال استخدام لغةٍ سرديةٍ مشبعةٍ بالرموز و الإشارات، كما شارك الطبيعة “مُترنِّماً بأغصان الشجر التي تعزف على أوتار الوجود لحن الريح و النسيم حيث إيقاع العصافير المغردة يدغدغ مشاعر ودان الهائمة في عالم الصوفية” ص80.
وقد استخدم زمنكانيَّة تنير المتلقي و ترشده إلى مبتغاه بدءاً من مزرعة “أبو نبُّوت” و “بني تراب” و تعاقب الأحداث فيها.
كما أجاد في توصيف شخصيات الرواية المؤنسنة حيث أسهم هذا الانزياح عن نمط الكتابة المألوف لتُحدث في نفس المتلقي الدهشة و الإمتاع، وبالتالي استطاع الكاتب بواسطتها الإفلات من سلطة الرقيب، فباح للقارئ بواقعٍ مريرٍ مليءٍ بالصراعات و المفارقات من خلال إنطاق الحيوان حيث وظَّف هذه التقنية بتفنُّنٍ، و إبداعٍ، وتمكن، فعن طريقها استطاع أن يرشد القارئ إلى ما وراء اللغة، فحشد في روايته الكثير من الصور الدالَّة على الأنسنة، حين صوَّر الدجاج بشراً تنجب الذكور و الإناث، فحرَّك تلك الإستعارة النائمة موظفاً لها أفعالاً لا يقوم بها إلا العاقل.
وهنا يتبادر إلى ذهني سؤالٌ مهمٌّ، لماذا أنسن الكاتب الحيوان؟ أجيب مبدئياً إلى أن الكاتب ربما حاول إبراز الأزمة الإنسانية وصراع الحضارات وحقيقية الوجود مُشركاً الطبيعة بما تحويه من حيوان وجماد في تقاسم هذه الأزمة، أو ليشير إلى رادئة الواقع، و أن الحيوانات من حوله تضاهيه، أو أنها أحياناً أكثر قيمة منه، و عن طريق الأنسنة نستطيع أن نسبح من خلالها في عالم الخيال، فنتذوق متعة الإبداع.
إن استخدام الكاتب لتقنية التناص في روايته حيث نقل لنا أحداثها على لسان بني الريش و الحيوانات كما فعل قبله “ابن المقفع” في كتابه “كليلة و دمنة” و كما فعل “جورج إرويل” في روايته “مزرعة الحيوان” أظهر فيها شدة اعتراضه للنظام السياسي، و جاء الكاتب “محمد إقبال حرب” بتناصٍ مغايرٍ عن المألوف، مما جعل روايته يُقبل عليها القارئ بنهمٍ شديدٍ، و يتجوَّل في أرجائها مستمتعاً بأحداثها، و بتلك اللغة السردية الشيقة، من خلال شُخوص الرواية المُشخصنة عندما أنطق الحيوان، و أسقط عليه صفات آدمية، و هذا يسمى في علم البلاغة التشخيص، و هو ضربٌ من الاستعارة حسب أقوال “الجرجاني”، و كما أشار “ابن رشد” لها بتعبير (إقامة الجماد مقام الناطقين).
:المستوى النفسي و المدخل العقلاني و السلوكي
قدَّم لنا الروائي “محمد إقبال حرب” رسالةً إنسانيَّةً من خلال رؤيته و فلسفته في الوجود، و عبثيَّة الحياة، فعكست لنا روايته دواخل الكاتب في نظرته للوجود و التلاشي في ظلِّ الحروب المحرقة، و إنعكاس آثارها على الشريحة المظلومة في المجتمع بسبب جشع المستبدين و الظالمين، من خلال تحريك الأحداث عن طريق الشخصيات المؤنسنة موضحاً المفارقات بين الحياة و الموت، الوجود و اللاوجود، البقاء والرحيل.
وما أشبه اليوم بالأمس عندما تحارب السلطة المثقف و تنفيه لجرأته، حيث لم تستطع استمالته، و الخضوع لأهوائها، و نزواتها.
لقد لمست ثقافة الكاتب و مخزونه المعرفي و الفلسفي من خلال تمكُّنه في إنطاق الحيوان، و إن كان قد سبقه إلى هذا المنحى “ابن المقفع” في كتابه “كليلة و دمنة” عندما وظَّف ألسنة الطير و البهائم للنطق بالمواعظ و الحكم…و بما أن الغاية تُبرِّر الوسيلة إن صحَّ التعبير، أو كما يُقال، فلا بأس أن يسلك الكاتب الروائي “محمد إقبال حرب” هذا المسلك، ربما كان الغرض منه الإفلات من نقض العوام، و من جبروت الحكام، صحيح أن “كليلة و دمنة” كانت على لسان الحيوانات و الطيور لكنها لم تخرج عن نطاق الحكمة التي جاءت على ألسنة الحيوان في قصصٍ قصيرةٍ متنوعةٍ، من دون أن يجمعها موضوعٌ واحدٌ، على عكس “العرافة ذات المنقار الأسود” هذه الرواية النفسية و الرمزية، تطرَّقت إلى الآلهة، و سلبياتها، فنرى الكاتب يدعو إلى تكون الآلهة مُنزَّهة كي تستحق هذه القدسية والمنزلة، لا أن تنظر إلى هفوات العامة من أجل تعذيبهم بل عليها إصلاح تلك الهفوات، و هذا ما لمسته في رد شخصية “صفران” على “رنَّة”:
“لن أجادلك فيما هو واقع بل سأخبرك عم حلمي المجنون أريد أن أجمع بني دجاجةٍ بألوانهم و أشكالهم، ديوكهم و دجاجاتهم في عالمٍ واحدٍ مليءٍ بالحب و التناغم”.
التجربة الأدبية للكاتب:
لقد نجح الكاتب “محمد إقبال حرب” في تحريك الأحداث بصورةٍ سليمةٍ و مُشوِّقةٍ للقارئ، وقدَّم لنا حكمةً مشبعةً بالمحبة والسلام والأخوة المستنيرة بعقلٍ منفتح على كل ألوان الثقافات و الحضارات.
هنيئاً له وأبارك له كما أعتذر إن كان هناك تقصير فالكمال لله…
الناقدة الذرائعية سمر الديك