يا إنسان

لم أعد أنتشي لرؤية الشمس.

لم أعد أشهق لولادة قمر أو أتراقص لاكتمال بدر.

بل، لم تعد مشاعري ترفل بين سحر الشفق ورحيق الحبق.

ضمرت مشاعري رويدًا رويدً استجابة لحكمة مولاي الحاكم الذي أصرّ على هدايتي كلما تمرّدت، تارة بالجلد وطورًا بالنفي إلى غيابات الفقر حتى حرمني من سبل الحياة، مأكلًا ومشربًا حتى عشقت عفانة الضمير.

متلازمة العبودية أصيلة في وجودي، رضعتها من أم اشتراها والدي بعقد شرعي لم يفقه منه والدي إلا اقتناء زوجة تقدم له طاعة العبيد على طبق جسدها صاغرة، كما يقدم حياته لسيده الطاغية. لم تكترث والدتي حين تم استبدال السيد الذكر من حيث وُلِدت إلى حيث بيعت بيعًا مصدّقًا شرعيًا واجتماعيًا. فرحت لِولادتي ذكرًا فعلمتني ذكورية أمارسها على كل نساء الأرض وعبودية تكرّس بقائي حيًا في ظل غمامة الفساد المتألقة فاتخذت الزعيم إلهًا.

تخلّلت ليالي عبوديتي أحلام تمرّد تتجلّى على شفتي ابتسامة محظورة على العبيد.  ذات حلم في زقاق العبيد أُمسك بي العسس باسمًا فسُحلت كرامتي حتى اعترفت بجريمتي. كان ذلك منذ أمد بعيد، تذكرت ذاك اليوم بالأمس فتأجج شيء ما بداخلي أشعل نار الندم في حناياي. لعنت اختراع الذكرى وتمنيت أن أعشق النسيان حتى الثمالة. أريد أن أنسى ذكرى كرامة ضمرت، وشعار وجدان لم أنعم بالتعرف عليه. راودتني نفسي على البكاء احتجاجًا على هذا البلاء، فجافيتها باستعلاء استجابة لأوامر سيدي الحاكم خوفًا من تبعات المحرّمات

تذكّرت حرص سيدي الطاغية على مستقبلي فركنت خاشعًا مسبحًا لصدى أوامره حتى أصبر على الابتلاء فأضمن جنة في علياء كما قال كاهن البلاط العالم بدروب السماء. تمردّت ملكاتي على هواني واستسلامي، صرخت، تمرّدت وكادت أن تغريني فنهرتها، وأسلمت حبال صوتي رقبة بعير شارد إلى أن جاءني كابوس هزّ كياني.

صوت من بعيد، من عمق النسيان، ناداني “يا إنسان”
خفت، تراجعت… أصرّ على مناداتي “يا إنسان”
قلت له لا، لا أنا حيوان، هكذا دمغني سيدي الطاغية.
صرخ في وجهي تحرّر يا هذا…تحرّر يا انسان
لم أدر من ماذا أتحرّر، فقد كافأني سيدي الحاكم وباركني الكاهن لاعتناقي جُبن وجودي والتزام حيوانيتي التي رسماها بدقة لأنعم بآخرة حسنة. قلت: ابتعد عني، أنا حرٌ كما وسمني أصحاب القرار.
قال: ولدت حرًا فلا تكن عبدًا.

أخذتني الرهبة فلم أتكلم.

قال مرة أخرى “ولدت حرًا”… قلت لا أفهم

قال لن تفهم قبل أن تفرغ دماءك النجسة في وجه الطاغية.
قبل أن تفرغ كيانك من ذلٍ أزلي ورثته في سجن اسموه وطنًا.
قبل أن تفرغ دموعك في بؤرة استعبادك وتطفئ جمرات مذّلتك.

قلت سأفعل

قال، بل افعل…شمس الحرية لن تستطع إن لم تشعل جذوتها بحرارة عشقك للقائها… لن تشعر بالدفء والحنان طالما تعتقد بأنك حيوان. تحرك أيها الانسان… تحرّر… تحرّر

أخذتني الحمية فأفرغت كياني من نجاسة عبوديتي.

كسّرت أسناني فوق أصفاد ذلّي حتى حطّمتها.

فجّرت دمائي في بحيرة حريتي. رأيتها من علياء، جثتي تطفو فوق بحيرة من دماء تحييها زغاريد نسوة الهبتهن حرارة شمس دافئة بنور الحرية فوسمنني شهيدًا قبل عودتهن إلى زنازينهن نائحات.

محمد إقبال حرب

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s