فضاءات المكان الروائي في رواية “الملعون المقدّس

بقلم الروائي: محمد فتحي المقداد

مقدمة:

للمكان الروائيِّ أهميَّة مختلفة عند الكاتب الروائيِّ، ولا تتفجَّر الحوادث والمفاجآت وعُقدة مشروعه الروائيِّ، إلَّا في مكان فسيح يتَّسع لرُؤى الكاتب، ويحيط بخياله الجامح بنزوعه السَّرديِّ لاستكمال المشهديَّة حسب مساحات تفكيره، وأدائه بطريقة إدارة فكرته التي يُدندنُ حولها.

فالمكان هو الأرضيَّة الصالحة للبناء السَّرديِّ لأيِّ عمل قصصي قصير أو طويل (رواية). وهو العنصر الذي لا غنى عنه أبدًا مهما علا أو دنا أيّ عمل، كلُّ ذلك تحت ملاءة الزَّمن الروائيِّ. المكان سيرة شخصيَّة لاصقة لمن استوطنه، وأودع فيها ذكرياته.

وصف الرواية:

بكلّ وضوح تُعلِن الرواية عن هويَّتها الاجتماعيَّة؛ فالمجتمع صانع الحدث بكافَّة تفاصيله، وهو حاضنة الحدث، وذاكرة مُتجدِّدة على ألسنة أفراده تُعيد وتزيد في جُزئيات الحدث؛ ليصبح قصَّة أخرى مزيدة ومُنقَّحة، لكنَّها بالقطع غير النُّسخة الأصليَّة البِكْر، ومع تقادم الزَّمان يتضخَّم الحدث، ويُعطى هالات أخرى منها البطوليَّة والقُدرات العقليَّة الفائقة و هالات التَّقديس.

رواية “الملعون المقدس” فسيفساء مجتمعات القاع المليء بالتناقضات بين المحافظة والانحرافات، ولكلِّ المجتمعات ثوابتها من الأعراف والتقاليد المُتوارثة والأخلاق والدِّين والإيمان، التي هي بمثابة قوانين تصون الجماعة، بينما إذا تعرَّضت للاختراق من بعض الأفراد، يُنظر إليهم بأنَّهم فاسدون مُنحلّون، عندما تجرّؤوا على خرق قوانين الأنا الأعلى (المجتمع)، المنظومة الاجتماعيَّة بأكملها تثور عليهم من أجل الدِّفاع عن قِيَمهم، وحماية أنفسهم ممَّا سيُلحِق بهم من هؤلاء القلَّة الخارجة عن طوْق الجماعة.

الروائي “محمد إقبال حرب” تلمَّس بحسِّه، وصبره المُتأنِّي زوايا القاع الاجتماعيّة المُظلمة، حاول سبر أغوارها بكلِّ اقتدار وَصْفيٍّ، بتصوير عدسة خبيرة ببواطن الأمور، والذَّهاب بعيدًا لاستبطان دواخل وتهويمات نفوس أبطاله، ليدخل في دائرة التَّحليل النفسيِّ للواقع ودوافعه.

وتأرجح الحدث الروائي ما بين الحالة المثلى من السُّلوك الآدميِّ القويم، الذي يُشار إليه فلسفيًّا بالفضيلة، ونقيضها الرَّذيلة المنحدرة سلوكيًّا وأخلاقيًّا. التناقضات الاجتماعيَّة الصَّارخة قضيَّة قديمة مُتجدِّدة، ناقشها المفكِّرون والمصلحون، ونبَّهوا للأخطار المتولِّدة عنها.

فضاءات المكان الروائي:

تعدَّدت الأمكنة التي طرقتها الرواية، كميدان مارس فيه الأبطال نشاطاتهم المختلفة، لتصبح حدثًا روائيًّا يُعتدُّ به، مُتجانسًا في سيْر أحداثه المتوافقة المتناغمة، وكان لوحدة الموضوع الدَّوْر الأكبر والأبرز في جعلها لوحة متكاملة، هنا لا بدَّ من الإشارة إلى خبرة عريقة عند “محمد إقبال حرب“، مُستندة إلى مخزون معرفيٍّ عميق، وقاموس غنيٍّ بالتعابير والمفردات.

من المعلوم أنَّ لكلِّ مكان فضاء، ومساحات أتاحت تحرُّك البطل بفعل ما، لصنع وإنتاج حدث معين، وهذا من ضروريَّات القصِّ والسَّرد الروائيِّ.

وبتتبُّع ظاهرة تعدُّد الأمكنة في رواية “الملعون المقدس“، كان لزامًا إبراز الموضوع كجانب مُهمٍّ، وإعادة تدوير وتجميع المتناثرات في صفحات الرِّواية؛ لتصبح مادَّة واحدة تحمل صفة موضوع متكامل:

1-المملكة العربية السعودية: فضاء مكاني اشتمل على جزء من الحدث الروائي، والمملكة جزء من فضاء جزيرة العرب، وهي جزء من فضاء الشرق الأوسط ومن قارة آسيا ومن العالم أجمع.

*(الرياض): فضاء العاصمة الإدارية تتوزع إلى فضاءات عديدة كالبيوت والفلل والعمارات والأبراج والشوارع والحدائق والمستشفيات والسجون والكباري، غير ذلك.

*(المستشفى): فضاء يفضي إلى فضاءات غرف الانتظار، والعيادات الخارجية، وغرف العمليات، وعنابر المرضى الجماعية، والغرف الفردية، والأجنحة الخاصة، والحمامات والمطابخ، ومرائيب السيارات.

 2- لبنان (ضاحية برج حمود):

وفي مثل هذا المقام لا بدَّ من الرُّجوع إلى التاريخ، لمعرفة ملابسات نشوء هذه الضاحية في جنوب بيروت، وكيفيَّة تكوينها الديموغرافي: (تبدل ضمن قطاعات آل ابي اللمع حين قصدها الموارنة منذ بداية القرن السابع عشر وبنوا فيها كنيسة على اسم القديس ضومط ما زالت قائمة حتى اليوم واخضعت مرارا للترميم واعادة البناء. يومها كانت الزراعة هي مصدر العيش الوحيد.

ثم قدم أمير يُدعى حمود أرسلان وبنى فيها، قبل نحو مئتي سنة، منزلًا مُرتفعًا، اعتُبر بُرجًا بالنسبة إلى المنازل التي حَوْله. ومنه أخذت المنطقة اسمها (برج حمود). تغير وجه المنطقة مع وصول أول اللَّاجئين الأرمن إليها هربًا من المجازر التي تعرَّضوا لها على أيدي العثمانيين منذ 1915 وحتى العام 1922 . جاء هؤلاء يحملون مآسي تهجيرهم والفقر الذي خلفهم. نصبوا الخيم أولًا قبل أن يبدؤوا ببناء منازلهم من الخشب والصفيح، وراحوا بعدها يحولونها تدريجيًّا إلى الحجر، ونظَّموا أنفسهم وتساعدوا. بنوا المدارس والكنائس، وبدأت هذه المنطقة تجتذب لبنانيين من الأطراف البعيدة، لاسيما من العائلات الشيعيَّة الجنوبيَّة والبقاعيَّة بحثًا عن حرف جديدة تُكتسَب، وفرص عمل تمنُّوها أفضل.

بدأت العائلات الوافدة تتملك في برج حمود والنبعة، وهي حي من أحيائها، لاسيَّما بين العامين 1946 – 1948 حين لبى عدد من الأرمن الدعوة بالعودة إلى وطنهم الأم. باعوا بعض ما اشتروه إلى أبناء الأطراف من الشِّيعة الذين راحت أعدادهم تتزايد طلبًا للعلم والعمل المفقود في قراهم. بدورهم بنوا مدارسهم والجامع والحُسينيَّة. ولم يأت العام 1975 إلَّا وكانت النبعة وبرج حمود ،كما الكرنتينا وتل الزعتر وبعض اطراف الدكوانة ضاحية بكل تفاصيل ضواحي المدن في العالم الثالث) عن مصادر النت.

ممَّا تقدَّم من هذه النَّبذة التاريخيَّة عن فضاء منطقة برج حمُّود، يبدو أنَّها كانت من فضاء العشوائيَّات على أطراف فضاءات مدينة بيروت.

ومُخرَجات مثل هذه الفضاءات، لا شكَّ أنَّها نتاجات للفقر والعَوَز والجهل، المُفضِيَة جميعها إلى عوالم الجريمة والانحراف والمخدِّرات، كما حدث لـــ”عرقول” بطل رواية “الملعون المقدس” من جريمة تحرُّش واغتصاب من صاحب الدُكَّان المُنحرف، وهكذا انتقل إلى فظاعات منحرفة، مثل زنا المحارم، اعتبارًا من الأخت والبنت، وممَّا تتقزَّز منه الفطرة السَّليمة. كلُّ ذلك جرى في فضاءات من العتمة الرَّاسبة في قاع القاع غير المرئي للعلن، بل كان مُستترًا خاصًّا بممارسيه وضحاياهم، ولم تكن حالة عامة ترتقي بتصنيفها كظاهرة.

3-شارع الحمراء وسط بيروت:

وهو فضاء ورد في الرواية كجزء من فضاء وسط بيروت التجاريِّ، المشتمل على العديد من فضاءات المحلَّات التجاريَّة، والمقاهي، والمكاتب، وعيادات الأطبَّاء، والعمارات الشَّاهقة، والعديد من الفضاءات الثقافيَّة كمسرح البيكاديللي الشَّهير، والعديد من دور السِّينما، كما لا ننسى فضاءات النَّوادي الليليَّة (نايت كلوب). وغير ذلك.

4-السجن:

فضاء مكاني احتُجِز فيه البطل “عرقول”، فهو شبيه السِّجن. لأنَّ عرقول تعرَّض لخديعة استدرج من خلالها للمجيء، وهي محاولة اختطاف وتغييب واحتجاز للحرية. هذا الفضاء كونه شخصيّ، للانتقام من عرقول، جرى كلُّ ذلك بعيدًا عن أعيُن القانون ورجال الأمن.

-فضاء الحمام في السجن:

والحمام هو جزء صغير أيضا من فضاء مكان الاحتجاز أو الاختطاف.

الأماكن الخفيَّة في الرِّواية:

الكاتب افترض أنَّ هناك بديهيَّات معلومة وماثلة في ذهن القارئ، كالمشاهد الخفيَّة المكمِّلة للحدث، وهو نوع من الاستغناء لتجنُّب ملل الإطالة، وكذلك لإشراك القارئ وتوريطه في مُتابعة قراءته بتشويق، ولربطه مباشرة مع النصِّ ليكون شريكًا فيه، وبالتَّالي يستطيع أن يتحدَّث عنه، وربَّما يعتنق ما ذهب إليه من آراء، وبالتَّالي سيدافع كالكاتب عن النصِّ وفكرته. الأمر الذي يحسب لأيِّ نص كرصيد ثمين.

وهناك أيضًا من الأماكن الخفيَّة التي لم يرد ذكرها في الرواية صراحة  وعلنًا، بينما جاءت مُضمرة بدلالة الحدث أو كلمات:

– البيت في لبنان والسعودية.

– أماكن الترفيه واللقاءات.

-أماكن مارس فيه انحرافاته، كالشقق المخصصة لذلك، أو زوايا الشوارع والحدائق المظلمة، واماكن التسوق وشاطئ البحر والبارات.

– السيارة: وهي فضاء مكاني لا غنى له لاستكمال الحدث.

– مكاتب السجان: المكان الذي كان يدير سجنه من خلال تقنيات صوتية ومرئية من فضاء آخر غير فضاء غرفة السجن.

– كلمة القاضي تستدعي فضاء قاعة المحكمة.

– كلمة الفراشة تستدعي الحقول والورود النسيم، والطبيعة من الحبل والشمس وزرقة السماء.

– كلمة السماء تستدعي فضاء واسعا من القمر والشمس والنجوم والمطر والثلج.

– كلمة الكوخ: تستدعي العشوائيات والفقر والاكتظاظ السكاني.

– كلمة المغارة فصاء مفتوح على عوالم مجهولة مثيرة للخوف والرعب، فضاء العتمة والظلام والاشباح.

– البئر كلمة تفتح فضاءات رؤى للماء والعطش.

هذه الطَّائفة من فضاءات الأماكن الخفيَّة، فتحت الرُّؤى لتحفيز الذِّهن للتفاعل سلبًا أو إيجابًا. جاءت هذه الأمثلة على سبيل المثل وليس الحصر؛ فالرواية مليئة بفضاءات مكانيَّة، وكذلك مشاهد خفيَّة. وهي نقطة تُحتَسَب لقدرة الروائيِّ “محمد إقبال حرب” إيصال رسالته الفكريَّة للمتلقي.

الخاتمة:

وللتأكيد على الموضوع من بدايته، فإنًّ رواية “الملعون المقدس“: هي كتاب عبارة عن فضاء قِرائي ذي مضمون فكريٍّ، احتوى بين دفتيه على فضاءات زمانيَّة ومكانيَّة، مارس فيها الأبطال حكاويهم بحُريَّة وطلاقة، جميعها لا تخرج عن رأي الكاتب، وضمن ترتيباته، والتي من خلالها سطَّر ملحمةً اجتماعيَّة بأعتى قساوتها على النَّفس السويَّة، الحدث السرديِّ كأنَّه مُستنقع قذر خرجت منه كلَّ قذارات البشريَّة المُقرفة والمقزِّزة، أصابني الغثيان أثناء القراءة. معاناتي النفسيَّة كانت كبيرة، فلم تحتمل نفسي ولا عقلي، تعبت أعصابي، كقارئ تأثَّرت بالوصف، فما هي الكاتب “محمد إقبال حرب” كانت أثناء الكتابة؟. لا شكَّ أنَّه عانى مخاضًا صعبًا.

محدودية أبطال الرواية (عرقول – دورين – السجَّان) بأدوارهم الرئيسة، ومن خلالهم جرت تفرعات الحدث السرديِّ بشخوصه الثانويين، وبأحلامهم وآمالهم، وإحباطاتهم، والصدمة النفسية بالانحرافات الأخلاقيَّة والسلوكية، والقتل والإجرام، كلها مُخرجات تربوية فاسدة للحرب اللبنانيَّة على مدار سبعة عشر عامًا، وكذلك الفقر والأوضاع الاقتصادية السيِّئة ساهمت إلى حد كبير بالدفع الحثيث إلى الهاوية والدمار. 

عمّان – الأردن

ــــا 11\ 8\ 2022

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s