نقبل التحدّي ولا نندثر…فتاريخنا شباب

ردَّ المفكّر د. علي حرب علي مقالتي “هل نقبل التحدّي؟” بكل ثقة واصرار على التحدّي والانتصار على ما حاق بنا من هزائم متواليات ايمانًا بالقوة الكامنة التي تتأجج في أعماق كل منّا لتكون بركانًا متشظيًا بالعزة والكرامة والعطاء الإنساني والحضاري ذات يوم قريب. شكرًا للدكتور علي حرب على هذه الجرعة المركزّة من الأمل والاصرار على قبول التحدّي

طالعني الصديق الروائي الأديب الدكتور محمد إقبال حرب، قبل أيام، بمقالته “هل نقبل التحدّي”، مفيدًا أنه استقاها من وحي محاضرتي حول “واقع اللغة والثقافة العربيتين… مزايا ورزيا”، والتي عرضتها افتراضيًا على منبر ملتقى “الحرف العربي”، يوم السادس عشر من شهر ديسمبر / كانون الأول الجاري

وتحت وطأة سؤاله الصادح، المقتحم لدياجير اليأس وأنفاق الإحباط، والداعي “للتفكّر بتجرّد” ونفض ما علق في نفوسنا وأفكارنا من ملوّثات “المشاعر العصبية والدينية والفكرية” أملًا في “النجاة قبل الاندثار” من حالة الغرق التي تعمّنا شعبًا، ولغة، وثقافة، وحضارة.

أقول، تحت وطأة هذا النداء، وجدتني مدفوعًا، وقد هزّتني المقالة بتجرّدها وعقلانيتها وتأسيسها على المنطق العلمي الاستكشافي المرتكز على فحص المشاهدات وقياسها على تجارب التاريخ، لأجيب يا صديقي:       

 نداؤك أول طريق التحدّي!…

بلى يا صديقي نقبل التحدي وندخل الحلبة، فتاريخنا العربي ما زال شبابًا رغم وهنه، متسلحين بقراءتك الواعية لغابر الزمان والبشرية، وتصميمك على خلع الأردية المستعارة.

سوف ندخل الحلبة، ولن نندثر ولن نتبدّد، ولم يحن بعد يوم الاهتراء.

أعمار اللغات والشعوب والحضارات لا تقاس بعدد دورات السنين إنما بمحصول الثقافة الذي خزّنته في ذاكرة الأعمار والتاريخ.

السومريون والفراعنة ومن قبلهم ومن بعدهموالمسمارية والهيروغليفية والبابلية والسنسكريتية وما قبلها وما بعدهاصحيح انها غابت عن قائمة الزمان وعصفت فيها الحروب والصراعات والكوارث الطبيعية، لكن شواهدها ورموزها وحكمتها وفلسفتها وحكاياتها ما زالت تحيا في جينات شعوب الأرض قاطبة.

ما همّنا أن عرّج بنا التاريخ واهتزت الفروع وتهاوت ثمار ناضجات.

وما همّنا أن استهلكنا ولبسنا وتطبّبنا بما أبدعه الآخرون.

الحياة دورات صاعدة وهابطة يا صديقي، وقد استهلكت الدنيا فكرنا وعلومنا وحروفنا وأرقامنا وطبّنا وكل بضائعنا عمرًا طويلًا، واستنارت بشموسنا للخروج من ظلماتها، على غرار ما فعلنا وفعل الآخرون في دنيا الأخذ والعطاء والتبادل والتكامل والتشييد على أسس إنسانية شاملة، وحين استقبلنا عقول العلماء من غير العرب واحتضنّا بدائع إنجازاتهم بلغتنا وحضارتنا، لم يأتونا مهجّرين مقموعين هاربين، كما هي أحوال أغلب البارزين من أبناء جلدتنا في دنيا الله الواسعة، إنما جاؤوا ينهلون، من دار السلام والعدل والأمان، ما طاب لهم من فكر وفلسفة وحكمة.   

كنت أتحسّس خطوط الطول والعرض في خريطة ندائك وطموحك.

وكنت أتلمّس ما خفي من عناصر القوة المغيّبة قسرًا وطواعية في حنايا هذه الامة التي طال نومها واستسلامها.

وكنت أبحث عن بقايا جذوات تئزّ وتشرقط وتتوهّج رافضة الخبوت، في خريطتك العربية المحروق جسدها غربًا وشرقًا، وجدت بقايا رماد تصلح أن تكون سوادًا وغذاء لأرض تتعطّش للعطاء وتختزن في شرايينها جميع عناصر البعث والحياة، إيمانًا وأخلاقًا وقيمًا، ولغة وفكرًا وثقافة وإبداعًا وقدرات ومهارات وقوى، لكنها تنتظر نفخ الروح فيها لتنتعش.

قد يكون سواد الصورة في أوضاعنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية طاغيًا على سائر الألوان، وقد تكون المحن والأزمات راخية أثقالها بما يفوق قدرة التحمّل والأمل، لكنك، ولكننا، ولكن من يشاركنا دخول الحلبة لقبول التحدّي، من أنقياء وأصفياء أهل الثقافة والوعي، ما زالوا بعدد النجوم اللامعة لا تحتاج إلا تلاقيًا وتجمعًا لتكثيف شتات الضوء.

لأنني، كما أنت وأمثالنا، مؤمنون بالعقل والفكر. ولأننا مؤمنون بالبذور الصالحات المبثوثة في أرضنا العربية الواسعة، ولأننا مؤمنون بثقافة الانفتاح والاعتدال.

أطلقُ تساؤلك نداءً للتلاقي وإضاءة المزيد من معالم الطريق، وقد فنّدت أكثرها في محاضراتي المتكرّرة، لبدء رحلة التحدّي والتوقّف عن النواح والبكاء اللذين لا يوقفان العواصف الهوجاء الضاربة وجودنا من الجهات كلها.    

فلندع الآخرين يفتحون المريخ والقمر والشمس إذا تمكنوا؟!…ولندعهم يبتكرون ما شاءوا من عقول ذكية خارقة، فلكل قوة قاهرة دورها في تاريخ الحياة والأرض والناس.

ولتبدأ نحن بفتح المغاليق المحكمة الصدئة في عقولنا ونفوسنا، ولنرفع بناء خطاباتنا إلى مستويات القيم الأخلاقية السمحة مع شركائنا الأصليين في الأرض والتاريخ والحضارة، ولنبادر بلا تردّد للتخلّص من عقد الدونية والعجز، ومن رهاناتنا الخاسرة على الأطراف الأخرى.

يبدأ التحدّي بإعادة بناء الذات وبناء الأجيال وبناء علاقاتنا مع العالم. ولا ولن يتمّ ذلك إلا على أيدي الصفوة من المثقفين التنويرين الأحرار.    

د. علي حرب – كندا

22/12/2021

2 comments

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s