آخر المُنجيات

قال الكاهن الأكبر لوزير المالية في مملكة فسادستان: ها قد جئت إلى اجتماعنا هذا رغم الخطورة وكثرة مشاغلي. أرجو أن يستحق الأمر عناء التخفي والتلطّي.

الوزير: أيها الـمُبجّل ما كنت لأزعجكم لو لم يكن الأمر في غاية الخطورة.

الكاهن الأكبر: أخبرني ماذا حصل؟ ما هو المطلوب مني؟

الوزير: الخزينة فارغة تمامًا بل ترزح تحت دين كبير والملك قد أسرف كثيرًا مع التفشّي الخطير للفساد. أنا وأنت الممولان الأساسيان لهذه المملكة، لذلك سيحاسبنا الملك إن لم نحقق رغباته، وقد يأمر الملك باعتقالنا ومصادرة أملاكنا، بل قتلنا.

الكاهن: لا أخالك تريدنا أن نتنازل أو نعيد بعضًا من أملاكنا.

الوزير: الخزينة فارغة، لو حاسبنا الملك سيكتشف علاقاتنا مع الوزارات والبنوك وينتهي أمرنا. لذلك علينا أن نتصرف في أسرع وقت.

الكاهن الأكبر: نعم، نريد حلًا يدر مالًا كثيرًا.

وزير المالية: حاولت جاهدًا أن أجد مخرجًا فلم أنجح. لا يمكنني رفع الضرائب مرة أخرى، الشعب فقير  جدًا ولا يملك نقيرًا. علينا أن نجد حلًا.

ضحك الكاهن وقال: أنت لا تعرف كيف تخرج المال من الناس. الناس لا يدفعون بسعادة إلا ما يمس قدسيتهم التي تقرّبهم من الله. سيُخرجون آخر ما يمتلكون في أقرب وقت.

الوزير: في ظل الأزمات والحروب المتتالية أصبح معظم الناس تحت خط الفقر، كما أن مقدساتنا محدودة، إذ أنكم أدخلتم القداسة على كل شيء وتسابقتم مع الشيطان في شفط أموال الناس تحت شعار المقدّسات وبنيتم المعابد التي لا ترتكز إلا على دهائكم. ملّت الجماهير من مقدسات لا تفيدهم.

الكاهن: كلماتك لئيمة لأنني عرّفتك على أسراري، لكن تذكر بأنني أعرف كل الصفقات والسرقات وأرقام حسابتك البنكية فلا تهددني تهديدا مبطنًا. المهم عليك أن تعلم أن المقدّسات لا تنتهي. علينا ابتكار بل خلق مقدّس جديد. 

الوزير: ها أنا أفكر منذ أيام دون جدوى.

بعد تفكير عميق قال الكاهن: انتظرني مع الرعاع في الصلاة الأسبوعية الجامعة لألقنك درسًا في فن    خلق المقدّسات.

اجتمعت الرعية في اليوم الموعود أمام الكاهن الذي بدا حزينًا، دامع العين. قال:

منذ أيام وأنا أفكر في وضع كل منكم يوم القيامة، يوم الحساب. هناك لا ينفعكم إلا عملكم الطيب   وحسناتكم التي كتبت في سجل أعمالكم. لكن… لكن 

توقف قليلًا وأجهش بالبكاء حتى بكت الرعية رأفة به وبحاله وقد جلس على كرسيه من الاعياء. تساءل الجمع عن حال الكاهن الأكبر حتى بدأت البلبلة تفسر الوضع على انه يشعر باقتراب أجله فجاء مودّعًا.

وقف فجأة ليقول:

حال الوطن الاقتصادية التي تجاوزت حدّ الفقر والعوز مما اضطر معظمكم، بل كلكم على ارتكاب المعاصي. الجميع يسرق وينهب، طبعًا ليطعم أولاده وليؤمّن لهم ضرورات الحياة. الكل يرتشي ويغش ليتمكن من العيش فوق خط الفقر. وهذا أمرٌ طبيعي في ظل ظروفنا القاسية لعقود خلت. لكن الحقيقة المؤلمة أن الدولة شارفت على الإفلاس، وخزانة المملكة نضبت بسبب الحروب والفساد. لذلك لن تستطيع الدولة أن تمد لكم يد العون، ولا يمكن أن تلغي الدولة الضرائب التي تؤمّن أجور الموظفين وخدمات الدولة. لكن تذكروا ان الخالق لا يأخذ بعين الاعتبار ظروف البلد ومصاعب الحياة يوم الحساب. على ابن آدم أن يواجه الحياة بقوة وصبر وعليه أن يتحمل مآسيها في امتحانه على سطح هذه الأرض الفانية كما جاء في جميع ارسالات. أليست الدنيا هي دار الاختبار للفوز بالجنة والفرار من النار؟ 

لذلك ما زلت أفكر كيف أضمن لك الجنة والعبور الى الجانب الآخر بسلام رغم ما اقترفتموه من فساد  وما زرعتم من فوضى.

أخذ يلطم ويبكي وقد عاود الجلوس على كرسي الكهنوت بينما يتناقش الجميع في مقولته. بدأ الخوف من يوم القيامة بين الجماهير صغيرهم وكبيرهم. بدأ الناس يرفعون أصواتهم: هل سنذهب إلى النار؟ ألا  يوجد حلّ أو فتوى تنقذنا من واقعنا المرير؟ ألن يقدم الإله عفوًا عامًا لأبناء هذا الوطن نظرًا للظروف غير الطبيعية التي نمر بها؟

نريد حلًا… أنت الكاهن الأكبر والأعلم بدروب السماء. انجدنا، أنجدنا.

رفع الكاهن رأسه وهو يناجي السماء: سامحني أيها الرب على البوح بأسرارك.

رفع صوته أكثر ليسمع الناس تضرعه وهو يستسمح الرب: عاقبني لو شئت، أدخلني النار، في سبيل 

هذه الرعية. لن أخفي عنهم سبيل الدخول إلى الجنة والافلات من الجحيم.

بدأت الجماهير تصرخ وتنادي مطالبة الكاهن بالبوح، داعية له بطول العمر والنجاة من النار.

قال: هناك سر كهنوتي لا يعرفه إلا قليل من رجال المعبد. أنتم تعرفون أن الملك مقدّس وفيه شيء من الذات الالهية. ومن كان فيه شيء منها لا تمسه نار ولا يقترب من الجحيم. لذلك وعبر العصور كان الكاهن الذي يرتكب معصية يسرق من مرحاض الملك بعض غائطه ثم يجففه ليتناوله بعد ذلك كمسحوق مقدّس ليتملك جسده شيء من الذات الملكية بما فيها القداسة لينجو من النار.

لم يتركهم يفكرون، بل ركع على ركبتيه ثم سجد لله طالبًا الاستغفار عن بوحه بالسر حتى غاب عن 

الوعي فحمله الوزير الأكبر الى داخل المعبد.

أخرج الوزير جميع الموجودين من الغرفة وأمسك بالكاهن بقوة وقال: انتهت التمثيلية. كيف تجرؤ على تقديم هذا المشروع دون الاتفاق معي على التفاصيل.

ضحك الكاهن وقال: إنه ككل المشاريع السابقة التي تتم بيننا والملك. صاحب المشروع الذي هو أنا يحصل على 30% وأنت تحصل على 25% والباقي لجلالة الملك. ألديك مشكلة؟ أخرج من جيبه أوراقًا جاهزة وقال للوزير: راجعها ووقع عليها إلى جانب توقيعي ثم قدمها لجلالة الملك.

ابتسم الوزير ووقع الأوراق بسعادة قدّسها الكاهن.

أخذ الناس يتساءلون عن كيفية الحصول على غائط الملك. بل من يجرؤ على الاقتراب من القصر حتى يدنو من المرحاض؟ وبينما بعض الأكابر يتداولون الأمر اقترب رجل بلباس خدم القصر وقال لأحدهم هامسًا: يمكنني تأمين بعض براز الملك لكن عليكم تعويضي لأن مخاطر الحصول عليه كبيرة.  

قال الرجل: اتظنيني غبيًا لأصدقك أن الملك يبيع برازه؟

الخادم: هذا عين العقل والحكمة. الملك لن يسمح بذلك أبدًا بل لن يجرؤ على أن يفاتحه أحد بالموضوع إنه لمن العار أن يقال ان ملكنا يتاجر بغائطه. والقصر مقفل شديد الحراسة ولا سبيل للحصول على ما تريدون إلا بالاحتيال والمخاطرة من خادم مثلي يعرف دهاليز القصر ودورات المياه فيه، خاصة وان زوجي هي من تقوم بتنظيف المراحيض الملكية. أنا في خدمتكم يا سادة على أن تبقوا الأمر سرًا فلا يكتشفني أحد. لا أهدف للثراء بل إلى مساعدتكم للفوز بالجنّة بعد أن تكتنز أجسامكم بعضًا من قدسية الملك.

اتفقوا على السعر وتمت الصفقة، ثم الصفقات وأصبح براز الملك يباع كما الذهب بأسعار عالية 

وكميات محدودة تنجي صاحبها من النار. توالت الوصفات وطرق التحضير والتطرق إلى حجم الجرعة الكافية للإفلات من النار. ازدهرت خزينة الملك وكبرت جيوب الوزير والكاهن الذي حاز على النصيب الأكبر كونه صاحب الفكرة.

بعدة عدة اسابيع وخلال خطبة الكاهن وقف شاب ذكي وسأل الكاهن: لا أفهم كيف أن غائط الملك يباع في الأسواق بكميات كبيرة لا يمكن أن يفرزها الملك. علاوة على سعرها المرتفع الذي يمنع الفقراء من الفوز بالجنّة. أتريدوننا أن نعاني في الدنيا بسبب الفساد واللصوص ومن ثم نخسر الجنّة لتحرقنا النار. أين العدل؟

رد الكاهن بهدوء: فعلًا يا بني، ملاحظة جيدة لم تفت عن بالي طيلة الوقت. لكن عليك أن تعلم مدى التضحية التي يقدمهما الملك أو الجهد المضني الذي يعتريه لتأمين كمية كافية من غائطه للشعب حتى ينجو من النار. إنه لا يتوقف عن الأكل ليل نهار، ويعاني من التخمة وآلامها من أجل الشعب. صلّوا للملك واشكروا الله أن ملككم ضخم الجثة قادر على تأمين شيء منه ينجيكم من النار.

قالت الجماهير: آمين

وعدهم الكاهن ان يتم البيع بأسعار رمزية عن طريق المعبد حتى يقطع دابر الفساد الذي يطال آخر 

المنجيات.

محمد إقبال حرب

نُشرت في مجلة البناء:
https://www.al-binaa.com/archives/287554

2 comments

  1. مقال جميل ورائع في تفصيل أساليب خداع الجماهير.. من لصوص الحكم وزمرهم الفاسدة السارقة لقمة الفقراء .. تحياتي لك

    Liked by 1 person

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s