نِضوة وضَبَان ونصف نَعل

في الستينيات، وما قبلها كانت هذه التعابير شائعة ” نِضْوة، ضَبَان، نصف نعل”. كلها تنصبّ حول مهني واحد، ألا وهو الكندرجي.

كان الحذاء استثمارًا طويل الأمد، يورّثه الأخ إلى من يليه في العمر أو الحجم. وللمحافظة على هذا الاستثمار والاستفادة منه قدر الإمكان كان لا بد من صيانة دورية وأخرى احتياطية لكل حذاء. تتم الصيانة الدورية مع بداية فصل الشتاء حيث يتفحص أحد الأبوين أحذية أفراد الأسرة لاكتشاف نقاط الضعف نتيجة انبراء في النَّعل أو اهتراء الضَبَان. أما النِضوة فكانت الزامية خاصة للكعب حتى لا يتآكل بسرعة. عندما يتآكل النَّعل بعد بضعة آلاف خطوة على رصفان الوطن المهترئة تبدأ الثقوب بالظهور خاصة تحت باطن القدم نتيجة انبراء النعل مما يستدعي تدخل الكندرجي الفوري وإجراء عملية تركيب نصف نعل. أما إذا كانت الحالة خطيرة فيضطر الكندرجي إلى تركيب نعل كامل على أمل إنقاذ الحذاء من الفناء. في كثير من الأحيان كان صاحب الحذاء يتلقى عقابًا شديدًا من أحد الوالدين لأنه عرّض ميزانية المنزل إلى حالة طوارئ. وعندما تفوح رائحة العفن من الحذاء المتراكم في الضَبَان نتيجة تكاثف الرطوبة يتم تغييره بكلفة أقل رغم أذيتها المادية. أدرك الآباء أن صيانة الحذاء الدورية أقلّ كلفة من تغييره. إذ لا تتوقف الكلفة عند ثمن الحذاء بل تتعداه أحيانًا كثيرة إلى علاج قدم صاحب الحذاء المتقرحة.

ما شدّني للإسهاب في أمر الحذاء هو رحلة الوطن غير القادر على الوقوف أو السير بسبب تقرحاته التي سبّبتها دمامل المؤسسات الرسمية وغير الرسمية، حتى نزفت دمًا وقيحًا. لم تتم صيانة أحذية الوطن ولم يتولّ أي كندرجي خبير الكشف عليها لترميم الثقوب التي تهدر أموال الخزينة. لم يكترث أحد لرائحة العفن التي فاحت منذ أمد طويل كجرس انذار لأصحاب القرار في الحكومات المتتالية والمجالس النيابية المتعاقبة. لم تعد النِضوة ذات أهمية، وما عاد صوتها الرنّان دليل الحصول على حذاء جديد. بل تم إزالة النِضوة من جميع مؤسسات الدولة حتى تمرّ صفقات الفساد بأشكالها خِلسةً، خوف الفضيحة من صوتها الرنّان. رائحة ضَبَان المؤسسات العفنة تقتل كل من يقترب منها، وتصيب المواطن بداء المذلّة إن اقترب منها لأي سبب. وباء ضَبَان المؤسسات الحكومية أعتى من جائحة كورونا. فالكورونا تقضي على المصاب أحيانًا، أما وباء المؤسسات الحكومية فقد قتلت وطنًا دون حسيب أو رقيب.
ما عاد الوطن بقادر على نزع الحذاء المهترئ بسبب الأورام ولم يعد أي من “الكندرجية” على قيد الحياة بعدما قتلهم وباء الحذاء المهترئ. زعماء المافيات التي تدير مؤسسات الوطن تدرك بأن الوطن في غرفة الإنعاش وأن لحظة تدوين النفس الأخير باتت قريبة. لذلك قرروا أن يتقاسموا ويتحاصصوا بقايا الحذاء من خلال تقطيعه إلى جلود صغيرة تُباع للكندرجية الأجانب ليعيدوا تدويرها في مصانعهم

محمد إقبال حرب

نِضوة: قطعة معدنية تثبّت في نعل الحذاء لوقايته من الانبراء.

النّعل: ما وقيت به القدم من الأرض.

ضَبان: النعل الباطن للحذاء.

كندرجي: خرّاز، صرماتي.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s