أنا والبشر

أنا والبشر

تبًا لكم يا سكان كوكب الأرض كم أنتم منافقون. تثيرون الهلع على كوكبكم وتعلنون حالة الطوارئ في بلدانكم من أجلي! تصفونني بأقذع العبارات وترمون في سلتي كل مصائبكم، من فشل لأنظمتكم واهتراء لمنظومتكم الاجتماعية. رغم عدم انسانيتي أقدر غضبكم لفقدان ذويكم ومن تحبون تحت وابل من الألم والمعاناة التي أسببها خلال احتلالي لأجسادهم. لكن لا أدري لماذا عليّ أن أتحمل كل أسباب الفقر والمجاعة وانهيار أسواق رأسماليتكم التي تفوح منها رائحة العفن المزمن بسبب سياسة الاستعباد الممنهج عبر قرون. لقد حكمتم كوكب الأرض لآلاف السنين وانتظرتم كائنًا مجهريًا لتحملوه نتائج جشعكم وطمعكم ووحشيتكم التي تمارسونها تحت شعارات مختلفة. لن أسمح لمشاعركم الدنيئة أن تدنس شرفي وشرف أسرتي، إذ لي كل الحق أن أدافع عن نفسي. أنا لا أكذب ولا أجمّل عباراتي، سأعرفكم بنفسي وأدحض الادعاءات المغرضة عن شروري التي لا أنكر معظمها لكنها ليست بذلك السوء إذا ما قورنت بحقيقتكم.

اسمي كوفيد-19 من عائلة كورونا. ولدت منذ فترة طويلة في مختبر بيولوجي بشري مميز، ولأسباب لا أعرفها لم يتم نفخ الروح في كياني واطلاقي لأستمتع بإتمام مهمتي إلا بعد سنوات طوال من البيات القسري. لقد تم اطلاقي في عدة أماكن متباعدة لاستكشاف طرائدي البشرية والقضاء عليها. لا لست مجرمًا أو سيئًا لدرجة كراهيتي. فكل ما أفعله هو إتمام مهمتي على أكمل وجه. يتوجب عليَّ التكاثر بأكبر قدر ممكن، ولا يمكنني فعل ذلك إلا بإيجاد بيئة حاضنة، تلك الموجودة في خلايا البشر. للأسف، وجدوي في أجساد البشر يؤدي إلى مشاكل كثيرة لديهم مما يتسبب في هلاكهم. إنها مشكلة البشر الغير مضيافيين لبني كورونا، فهم يموتون بأعداد كثيرة كما يتكاثرون كذلك. المفارقة هي أنني أقضي على السقماء وضعفاء البنية بصورة عامة، أما تكاثر البشر فقد قضى على أنواع كثيرة من المخلوقات التي عانت كما يعاني البشر الآن. طبعًا، البشر لا يكترثون لأي من المخلوقات لأنهم يعتبرون أنفسهم مخلوقات مميزة. كذلك أنا أفخر بنفسي وأعمل دون مشاعر، كبني البشر الذين يملكون مشاعر ولا يستخدمونها. لذلك لا تقسوا علي وتعتبروني مخلوقًا سيئًا. على الأقل أنا لا أسعى للقضاء عليكم جميعًا لأن مهتمي كما رسمها خالقي البشري محدودة كما حياتي. أنا زائر على كوكب الأرض وأثاري السلبية قليلة قد لا تتجاوز عشر سكان الأرض. لكنكم أنتم البشر تقضون على سلالات كاملة في كل عام. والغريب في الأمر أن خالقي بشري، طورني من فيروس مسالم إلى فيروس قاتل. أنتم تتقاتلون بلا سبب، تكرهون وتقتلون بلا سبب منطقي. أما أنا فلا أميز بين ضحاياي لأي سبب كان. أنتم يقتل بعضكم بعضًا لأسباب تافهة، الكراهية والعنصرية والحقد والجشع. مع أن كوكب الأرض يكفي لأضعاف سكانه الحاليين إن اتسم بالعدالة. أنا أرحم منكم رغم أنني لا أملك أي نوع من المشاعر.

نعم أنا شرير، أنا مفرق الجماعات وهادم الملذّات، جئت من حيث لا يدري أحد إلى حيث لا يتوقع أحد. لست جبانًا لأنكر أي من الاتهامات، لكنني لن أتراجع قبل إنهاء مهمتي على أكمل وجه. أرى الهلع والجزع يكتنف كوكب الأرض كسحابة كونية تخترق كل الأمكنة مع أنني أضعف من ذلك بكثير، لكنني أتمتع بميزات تمكنني من التسلل والاقتحام لأستولي على أجسادكم وأحيلها مضائف لي ولأعداد لا تحصى من ذريتي. أنا أعمل بجد ونشاط لأقتحم أجساد البشر فأختار المضيف المثالي لتكاثري وانطلاقي إلى أجساد أخر أتكاثر فيه وأسيطر عليها. أعاني الكثير كي أجد الجسد المناسب، لكن أجسادكم واهية لا تتحملني فتسقط ميتة لسبب أجهله. أعتقد أن الخوف والهلع يبعث في أجسادكم أنزيمات الموت أكثر من سمومي. هذا لا يعني بأني مسالم بل يفضح حقيقة ادعاءاتكم عن تملك قوى جبارة تحمي وجودكم. قواكم الجبارة تلك غير شريفة، بنيت من عرق الشعوب المنهوبة، بفضل السياسات الاستعمارية التي تغير أقنعتها دون أن تغير هدفها المعلن. ما يحيرني هو هذا الرعب الذي يجتاحكم من وجودي رغم تبجحكم بالوحشية التي تدمرون بها أنفسكم. تتبجحون بالقنابل الذرية وبالجيوش المدججة بأحدث آلات التدمير ومن ثم تخافون من كائن مجهري، ومع ذلك تخافوني كالموت.

أكثر ما يزعجني هو حملتكم الاعلامية الواسعة عن وحشيتي كذبًا وافتراء. خلال أربعة أشهر لم أقتل إلا آلاف معدودة، ولو انتظرتم حتى نهاية مهمتي القريبة نسبيًا لن أقتل الكثير. أما أنتم فخلال أيام من حربكم على العراق وغيره قتلتم مئات الآلاف في كل دولة وجهتم إليها جيوشكم. في حروبكم “الوطنية” كذلك تقتلون عشرات الآلاف في أيام. تدمرون المنازل، تحطمون حضارات، تسبون، تغتصبون، تسلبون رافعين راية إله لا تعرفون وبعد ذلك تصلون شاكرين على نصركم. لماذا إذًا تتهمونني بالوحشية… أنا مثلكم، بل أكثر رأفة. أنا لا أدعي النزاهة ولا أفاوض على طلبي الشريف من إيجاد بيئة حاضنة كي لا أموت خارجها. تظنونني ضعيفًا كوني مجهريًا، لكنها ميزتي التي تجعلني أتنقل بسهولة عبر عاداتكم الاجتماعية الكاذبة. تسلمون على بعضكم بالأيدي وأنتم تضمرون الكراهية. تبتسمون لضحيتكم فيما تخفون نصل الموت تحت معطف المحبة الكاذب. حتى علاقاتكم الحميمية كلها كاذبة كونها نتاج هرموناتكم الجنسية وليست الأخلاقية. كل ما أفعله هو أنني أستغل علاقاتكم الكاذبة لأنتشر. وسأنتشر.

وما يحيرني أكثر هو كراهيتكم لمن يتصرف مثلكم. أنانيتكم بلا حدود، ومشاعركم بلا وجود، فأنتم تقتلون بعضكم البعض للاستحواذ على ما تريدون، والسيطرة على ما لا تملكون، تسحقون أي كائن لمجرد الطمع أو التسلية وتدمرون بلدانًا لإرضاء مشاعر كراهيتكم. كم تكذبون على أنفسكم أيها البشر فتدعون ما لا تملكون، تدعون الشرف والأخلاق والإيمان وتفعلون ما فعله أجدادي منذ قرون طويلة. ومع ذلك تلوموني وتلومون عائلة كورونا التي لم تقتل إلا بضعة آلاف منكم في كل غارة. وها أنتم يفتك بعضكم بعضًت وتقتلون أضعاف ما أقتل تحت شعارات بشرية كاذبة. لكن أغرب ما في الأمر أن وحشيتي لها لقاح وعلاج، أما وحشيتكم فلا علاج لها.

لن أطيل عليكم، لكنني سأخبركم أن هدفي هو الاستيلاء على أجسادكم بأكبر قدر ممكن كي تكون حاضنة لمملكتي التي ستزول خلال أشهر كما قال سيدي البشري الخالق.

أليس غريبًا أن يجندني بشري لقتل اخوانه البشر؟

وقبل النهاية سأخبركم لماذا وضعني خالقي في سبات لعدة سنوات. هو يعلم بأنه لو أطلقني لن أرحمه إن استطعت أن أستولي على جسده. لذلك انتظر عدة سنوات حتى تمكّن من إيجاد مصل مضاد وعلاج فعَّال لقتلي والسيطرة على وجودي. نعم العلاج موجود والمصل موجود وقد استخدمهما خالقي ومن يريد للحماية مني قبل أن يطلقني. وعندما يقرر إنهاء مهمة كيوفيد-19 سيعلن للبشرية بأنه المنقذ الذي أوجد ترياقًا بعد أن يلعنني ويشهِّر بي.

شرف الفيروسات هو وسام الوحشية التي تمنحون. بالضبط كشرف الشهادة الذي تمنحون لمن يقتل إنسانا أخر يسميه عدوا. الغريب هو أن قتيلكم يحمل شهادتين، شهادة شهيد وشهادة ارهابي. جماعته تعطيه شرف الشهادة وعدوه يعطيه لعنة الإرهاب. أما أنا فأعتز بشهادة الفيروس القاتل التي سيحملها أحفادي بعد سنوات في هجوم أكثر ضراوة … فاستعدوا من الآن.

الإمضاء كيوفيد-19

بقلم محمد إقبال حرب

2 comments

  1. هذه هي الحقيقة وإن حبكت بأسلوب درامي تستسلي واقعي بلغة انسيابية تخترق حتى العقول المتحجرة … إنه مسلسل طويل في فلم قصير بإطناب حاذق وخازق أيضا ، من أطلق الفيروس من جحره ربما لا يستطيع السيطرة عليه ، لأن الفيروس ليس بشريا كداعش ، وكل المجموعات المتطرفة والعنصرية التي اعتادت القتل والخراب، انقلاب السحر على الساحر حقيقة لا مفر منها … لا أحد يتعظ صديقي محمد ونسي هؤلاء أنه الوقت الملائم لشعورنا بتفاهة الطائفية وتفاهة العنصرية وتفاهة الحروب وتفاهة الحياة أيضا … مع كل هذا الدرس الذي ربما يقضي علينا نهائيا ما يزال الإعلام وسماسرة الحروب على حالهم … ومن كان بيته من زجاج فلا يقذف الناس بالحجارة … لا أحد في منأى عن الإصابة ، هذا الفيروس العادل لم يفرق بين غني وفقير وبين حاكم ومحكوم وبين ظالم ومظلوم فكلنا سواسية كأسنان المشط ،دمت صديقي قاصا وشاعرا لا يشق له غبار.

    Liked by 1 person

    1. نمر يا صديقي بفترة عصيبة من تاريخ البشرية، فبعدما اعتقد كثيرون بأن سنوات ما بعد الحروب العالمية والاقليمية قد سمت بالإنسان إى كائن أفضل، إذ بهم يصابون بخيبة أمل. الوحش الذي بداخلنا صحا من سبات ليعود سيرته الأولى. الوسائل اختلفت لكن بوحشية أكبر. الأديان ما كانت رادعًا للعنف بل أكبر مغذي، كل ما فعلته هو تحويل رغبة القتل من مجال ضيق إلى مجال أوسع. لكنه ما زال في المركز الثاني من العنف بعد لذة السيطرة.
      شكري وتقديري صديقي الناقد والكاتب القدير أيمن دراوشة.

      إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s