عَوْ… عَوْ

كان سمير كاتباً وشاعراً في زمن الاستبداد يكتب بيراعه حروفاً بيضاء على جدار عهد أسود. كان يبري قلمه على سكين آلامه، ليشحذ الحرف بالحق قبل سطره. لم يقتنِ ممحاة ليصحح بها ما ينصحه الأصدقاء حروفاً قد تودي به إلى التهلكة. لكنه طالما أجاب بأن مشاعره الحقيقية لا تتحمل التشويه ببتر بعضها وترك الآخر يتيماً. لم يعترف يوماً بالمواراة والمداراة والتلطي خلف جدران السجن الكبير الذي سماه صاحب المزرعة وطناً. لم يأخذ التحذيرات على محمل الجد ولم يهتم كون زوجه ستترمل وسيصبح أنجاله الأربعة أيتاماً إن فاض كيل الحاكم بحرفه اللاذع. آخر ما ردده بأن من يهبه صوت الحق قادر على أن يحمي أسرته في حال أرداه قناص قتيلاً.

بعدها بأيام أطبق عليه الحرس على مدخل العمارة التي يسكنها واقتيد بمهانة إلى حيث تكتنف الظلمة ظلمة الأشباح وأصوات الأنين المنبعثة من جدران لا يراها. لم يكلمه أو يمسه أحد قبل وبعد إقفال الزنزانة الانفرادية لكن الأصوات الغريبة لم تكف عن ضجيجها، فيما يسطع مصباح بنور ساطع يفقده توازنه قبل أن تنقلب الغرفة إلى ظلام دامس وسكون مطبق ترديه أرضاً.
بعد يومين من الأرق المتواتر والخوف من المجهول، وبعد كل صوت صارخ من جهة مختلفة أو انهمار ماء بارد في ليل شتاء لا يستره دثار أخذه جندي يتمتع بعضلات تنم عن سطوة صاحبها وأدخله غرفة ضابط مبتسم. سأله الضابط ببشاشة: من أنت؟

أجاب: سمير أحمد، الكاتب والشاعر.

الضابط: بل أنت كلب.

سمير بإصرار: بل رجل شريف، أعتز برجولتي.

الضابط: بل أنت مقيد في سجلي كلب.
رد سمير برباطة جأش تستر خوفاً دخيلاً على كيانه: أنا إنسان ولي حقوق ضمنها الدستور وأقرت بها الأمم المتحدة لن أسمح لك أن تنعتني كلباً.

سكن الضابط إلى نفسه وهومغمض العينين كمن يفكر في أمر جسيم حتى أدركته فكرة ما فقال للجندي المفتول العضلات : بما أن الدستور ضمن له حقوقه كإنسان خذه واسقه “بيبسي
دهش سمير من هذا التصرف وظن أن الضابط يعتذر بطريقة مختلفة إذ يقدم له مشروباً بارداً كبادرة عن سوء تصرفه مع شاعر معروف وكاتب قدير.

دخل غرفة عطنة شحيحة النور، يبثه مصباح قديم معلق في زاوية عالية نسيه لصوص علي بابا خلال سطوهم على مغارة الوطن. وفجأة ظهر بضعة أشباح وانهالوا عليه ضرباً مبرحاً من حيث لا يحتسب. وبينما ينهار كانت ملابسه قد فارقت جسده وجلس على الأرض شبه حي وهو يقول: أخبركم الضابط أن تسقوني بيبسي لا أن تضربونني.
قال من جاء به: لا تستعجل رزقك… ستشرب حتى الثمالة.
وبعد لحظات جاء أحدهم بزجاجة بيبسي وأجلسوه عليها حتى سقطت كرامته من مؤخرته لتمتزج بالشراب ذلاً ممزوجاً بما ينزف من كبرياء ودماء. . جلس على الزجاجة عهداً مريراً يشهد اندحار كبريائه قطرات باردة أحرقت بحار أشعاره حتى تبخرت.

وفي اليوم التالي… والتالي… والتالي أصر على أنه رجل وأُشرب زجاجات من البيبسي بمرافقة الشتائم ولسع السياط بعد، ومع كل ادعاء إلى أن نزف بقايا رجولته وفقد قدرته على الاحتمال، وسالت أفكاره مع بوله تمازج نزيف كلتيه كما سقطت أشعاره من مؤخرتة مع بقايا البيبسي. وسيق ذات يوم ذليلاً عارياً إلى مكتب الضابط المبتسم الذي لم يكلمه. دخل بضعة رجال يلوحون بزجاجات كبيرة من البيبسي يدورون بها حول سمير بانتظار أوامر الضابط الذي كان يرقب ما تبقى من كيان سمير. قال سمير بذل وخنوع فوق جسد مترهل وأقدام متورمة لا تراها عيناه التي سدها ورم مزرق: أنا كلب.

رد الضابط بابتسامة واستهزاء: أنت كاذب… أنت رجل.

سمير وبسرعة: لا بل كلب.

قال الضابط مقهقهاً: الكلاب لا تتكلم بل تنبح، أنت رجال يحتال حتى يصبح كلباً…. اسقوه بيبسي.

وفي اليوم التالي وقف سمير وقفة أكثر ذلاً، ورعشة تتمنى الفناء وأجاب عن السؤال الذي لا ينتهي: عَوْ… عَوْ

لم يكترث الضابط الذي قال: كرهتك يا رجل، تدعي أنك كلب فتنبح، هل وجدت كلباً ينبح واقفاً… اسقوه صندوقاً من البيبسي.

كانت زوج سمير تسعى لزيارته من اليوم الأول لكن طلبها كان يرفضه الضابط قائلاً: لا يوجد لدينا شخص بهذا الإسم.  حاولت أن تجد وسيطاً او أن تدفع رشوة دون نجاح لأنها متأكدة من وجوده هناك. لم يمر يوم دون أن تذهب إلى بوابة السجن طالبة مقابلة زوجها. كل ما حصلت عليه من جندي يعرفه أحد أقاربها هو التأكيد على وجود زوجها هناك بعدما دفعت له مبلغاً كبيراً من المال.

وبعد أيام من ترويض الرجل وتدريبه بالسوط وبشاعة الكلم مع تعريض مؤخرته إلى أشياء لم يكن يدركها خياله الواسع، فقد رجولته مرات ومرات باغتصاب ممنهج، وقح شرير لم يفكر به شيطان لعين. وسقطت بشريته رخيصة حتى باتت لا تستحق أن تكون في مكب النفايات كما سقط الحرف الذي قدسه الرحمن سقوط الرذيلة في قانون الفضيلة. وأضحى يسير على ست ويرفع رجله ليبول ويلهث دائماً ليؤكد أنه أصبح كلباً… بل أصبح كذلك.
دخل على الضابط دبّاً نابحاً “عَوْ عَوْ” رداً على كلام الضابط.

ابتسم الضابط وقال: الآن أصبحت كلباً ودوداً، بل أصبحت كلبي المدلل. ستنال أفضل رعاية يلقاها كلب، ستتنزه في حوش السجن مع كل الكلاب الذين روضانهم، وستنعم بكثير من العظام التي لم تحصل عليها يوم كنت بشراً… تصوَّر أنها ستكون مكتسية باللحم جزاء ًلوفائك. ولإن فكرت بأنك بشر ذات يوم أو قمت بأي تصرف يفقدك حيوانيتك ستأكل العظم من حيث شربت البيبسي.

لم يجب الرجل-الكلب بكلمة أو نبحة مما أغاظ الضابط الذي صرخ به: ألا تجيب أيها الكلب؟

رد الرجل الكلب نابحاً مرة أخرى: عَوْ عَوْ

لاقى عناية جيدة بعد ذلك من أكل وسلام لم يعهده منذ أن قدم هذا المعهد الحضاري الذي يحيل المفكرين والمعارضين كلاباً مسالمين.  كما حصل على طوق جلدي فاخر معلق بجنزير كلاب حديدي يشده حارس دائم يراقبه كظله مهدداً بقارورة بيبسي مشروخة الفوهة منتظراً هفوة ما من كلب كان بشراً لعهد قريب.

أخيراً وافق الضابط على زيارة أسرة سمير المكونة من زوجة وأربعة أنجال كبيرهم لاح شاربه وصغيرهم يقارع الحروف في دور الحضانة.  انتظرت الأسرة خارجاً مع باقي الأسر الزائرة. جاء سمير مع رفاقه يدبون على سِت. كان سمير عارياً من كل شيء وذقن لم تحلق فبدا كأهل الكهف مخيفاً مرعباً، لكنه بحد ذاته كان مدمراً منحطاً ذليلاً يشد جنزيره جندي مفتول العضلات بيده سوط لاسع. لم ينبح بداية لكن سوط الجندي على مؤخرته أمره بتحية أسرته فنبح ونبح: عَوْ عَوْ، عَوْ عَوْ.

لم يكن الذهول الذي سطا على الوجوه مهماً، ولم يكن الذل الذي اعترى الأسرة ذا قيمة. لكن الكفر بالوطن والأمل والرحمة الذي أسقط من القلوب معنى الولاء للبشرية هو الأهم. سقوط الإنسانية من كيانهم رفع مستويات النقمة والكراهية أوقف الدموع من الانحدار وعاد بها إلى حيث تكونت بذرة الانتقام. ضربات قلوبهم وانهمار الدموع شق طريقاً إلى بعد آخر. لم تصرخ الزوجة: وازوجاه كما لم يصرخ الأطفال: واأبتاه

من يريد أباً كلباً؟

من يريد خليلاً ذليلاً ليدَّعيه؟

من يريد شاعراً ينبح وكاتباً يدب؟
من يريد أن يرى مستقبله ذلاً ومراراً؟ اندحار، اندحار، اندحار.
لا ليس سقوطاً للبر والوفاء. لا، ليس الخجل خجلاً وعاراً… وليس هروباً من المسؤولية. ففي السنوات القليلة المقبلة فجَّر الطفل الأكبر نفسه في مكتب ضابط السجن بوجود والده ولم يندم إلا على تمازج بقايا والده مع بقايا الضابط، والثاني تلاه في تفجير مماثل كما الثالث والرابع… واطمأنت الأم على أن الرجل الذي سطا الطغيان على كيانه قد تخلف برجال ينتقمون من كل من يدعي بأنه رجل… قد تضاءل عددهم في عالم الكلاب والذئاب وفجرت نفسها في عملية نوعية في عمق مزرعة الوطن مبتسمة باشة لاقتراب لقاء زوجها مكرمة عند رحمن رحيم.

وهكذا نصنع الإرهاب.

صورة المنحوتة المرافقة من أعمال الفنان المبدع سيروان باران

عَوْ… عَوْ من مجموعتي القصصية يعيش النظام
هذه القصة مبنية على أساس روايتين حقيقيتين أولاهما “شرب البيبسي” وثانيهما “الرجل الكلب” حدثتا في بلدين عربيين.

محمد إقبال حرب

2 comments

  1. صباح الخير
    من المعلوم أن الثقافة تفزع الجبابرة والطغاة؛ لأنها تقود إلى الوعي بحتمية نيل الإنسان حريته، فلابد من محاربتها، وكبح جماح من يحملها. وما أكثر القصص المأساوية في هذا الإطار، لكن الأمر الأكثر خطورة أن تتحول ردة فعل المقهور إلى أفعال تسئ لمعنى الإنسانية.
    تحيتي أديبنا القدير على هذا السرد الأنيق والواعي.

    Liked by 1 person

    1. مساء الورد
      القهر يحطم المشاعر الإنسانية ويغذي الوحش المختبئ بدواخلنا، وحش ينتظر اللحظة المناسبة للإنتقام. فقط أصحاب الرسالة والمعرفة يسيطرون على الوحش عندما تتحطم قيود سجنهم. ربما ستمر قرون قبل أن يسمو الإنسان فوق مشاعر الوحشية والانتقام من خلال الارتقاء بطفرة جينية ذات اولوية.
      تحياتي

      إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s