رحلة البقاء

دلفت على تخشيبتي أنفض اعيائي، بقايا ذاتي رميتها على يم القدر بين الأنواء. خلعت سترتي، نزعت حذائي. دخلت تخشيبتي ونسيت ما ورائي. لم يضايقني صداعي ولم أبحث عن دواء. لم أنادِ زوجةً طلقتها أو ذرية طردتها بلا استحياء.
على سرير هاوٍ تمددت أشلائي وعلى منضدة مقززة رميت بلائي. رصفت فوقه كرامتي، بسمتي وعزائي. ثم نثرت فوقهم دمائي وربطهم بحبل أمعائي. فلم أعد بحاجة لها أمعائي فقدت باتت خاوية لدهرٍ خلا كما تيبّست الأقدام فتخليت عن حذائي. بات كل شيء أسود فرميت مقلتي في الفضاء فلا فرق عندي بين صبح ومساء.
أنا المواطن الصالح الذي تخلى عن كل إجراء يقدمه للأمام أو يعيده للوراء. أنا الذي يحفظ الأرض والوطن مما خرب وساء. فأنا لا آكل كي لا تصاب الأرض من سوء الغذاء، ولا أركب السيارات فأفسد بعوادمها الهواء. وبت عديم الإحساس فاستغنيت عن الدواء. وغدت الدنيا لا تستحق بصري فألغيت الكهرباء. وأضحى العلم مؤرّقاً فتركت الكتب وتحاشيت القرّاء. وبت نكرة لا أحد يدرك وجودي فلا أمامي هدف ولا ثروة من وراء. وباتت الخفافيش تمتص دمائي رغم نور الشمس ويصطادني أعشى الليل في ظلمة كلحاء.
من أجل هذا هجرت إنسانيتي وما تحمل من أهواء. ورويداً رويداً تراجعت إلى الوراء.
أنا المواطن الصالح في رحلة البقاء بين سراء وضراء.


محمد إقبال حرب

من كتاب موت شاعرة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s