سيرتي الأُولى

أرقني صراع البشر بأعاصير الكراهية وانتزاع النواميس من كينونة الوجود حتى سقطت قدسيتها وتباهى أصحاب الفكر الظلامي برفع رايات الكهانة وبيارق السياسة فاستساغوا القتل واستعباد أبناء البشر حتى قصموا أواصر الإنسانية وهتكوا أعرفها. سقطت رايات وجودنا عند بؤر الإرهاب وساد من تقهقر إلى سحيق الماضي بوحشية الماضي وذكاء الحاضر.

هربت بما أملك من فكر وجسد إلى أطراف القارَّة واتخذت حيز الفراغ الحضاري موطناً. شدني الزمن إلى ساعة تجلٍ لم أكن أنشدها في لحظة منسية. جلست على بساط رملي فتمايل تحت جسدي حتى أصبح فراشاً يربطني بروح الأرض فشعرت بجذوري تمتد إلى عمق الطبيعة تروي عطشها من كينونة الوجود. خلفي نتوء صخري هائل يتجلى بألوان قوس قزح يقابله امتداد بحر لا تكل أمواجه عن الثرثرة هديراً. تدفقت إلى جسدي روافد الماضي متسارعة بحكاية التكوين. ليس تكويني فحسب، فما أنا إلا بعض ضئيل من وجود لا ينتهي.

شيء ما بدأ يشد هذه البقعة عن أمها، يسلخها عنوة فارتعدت الطبيعة وثار منها بركان هائل صارخاً صرخة مدوية يتصدع منها بنيان المعمورة. أسرعت إلى فوهة البركان محاولاً تهدئة غضبه دون جدوى، بل دفعني ذاك البركان بقوة ناحية ذاك النتوء الذي استقبلني بحنان. استمرت ثورة البركان ذارفة حممه على بساط الطبيعة التي أرقت بياته الأزلي الخامد فكاد أن يقضي على بقاياي التي نجت من رعب وخوف. أرسلت صفيري إلى البحر مستنجداً فأسرع ذارفاً دموع حزنه أمواجاً عاتية تملأ فجوات الصدع علَّ جراح البركان تندمل.

لكن البحر الخائف أرعد وأزبد تحت وطأة الحمم فارتد خائباً وتخلى عن شعبه طارداً الأسماك إلى بساط الجحيم لينجو بنفسه كما يفعل كل مستبد طاغية. خفت على الأسماك التي استنجدت بي كما أعشاش العصافير فوق ذاك النتوء. لمحت غيوماً متسارعة فابتهلت إلى صاحب القدرة أن يمطرها على فوهة البركان الثائر ليطفئ جماحه القاتل وينقذ مخلوقاته من فناء. غضبت السماء من تهوري بتجاوزها وأمرت ملك الغيوم سحب قواته من سماء البركان لتبقيه مشتعلاً فيستمتع شيطان الكراهية بموتي وفناء العصافير والأسماك. لكنني قفزت فوق غيمة متخلفة عن ركب المتراجعين إلى سماء المزن المتوارية. أخذتها عنوة بقوة إيماني فوق فوهة البركان الثائر لهباً وأحدثت فيها ثقباً أصاب البركان وأطفاله من الحمم بما يكرهون من برد ونعيم فخمد جنون الحرارة رويداً رويداً وتكومت افرازاته بعضها فوق بعض يتيمة ثكلى.

صرخ الإله “قف” فوقفت حيث أنا.

صرخ من في السماء سائلاً: أأنت حارس جنة عدن؟

قلت: بل إنسان عاش التكوين فخاف اعاثة الفساد.

قال: كن رفيق البراكين في قلوب الطغاة لتنجو.

قلت: بل أعدني سيرتي الأولى.

قال: هيهات أن تعود بشراً.

قلت: لا أذكر بشريتي.

ضحكت السماء وتراقصت الأسماك وذرف البركان حمماً باردة.

محمد إقبال حرب

8 comments

  1. جامده جدا يامحمد وفى نفس الوقت مبكيه حد عنان السماء ماذا نفعل اليس هناك حل ……………نحن فى انتظار رحمه ربنا بينا

    Liked by 1 person

  2. وكأني بك تصف حالا نحياه وتحياه هذه الامة وقد اصبحنا على هامش الحياة نقتات الموت كل يوم
    ليتنا نعود الى عالم البشر وينتهي هذا العالم الوحشي بكل مكوناته

    Liked by 1 person

    1. كيف سينتهي والذئاب تنافس الضباع نتانة ووحشية.
      ما عاد أحدنا يذكر بشريته ليعود إليها، أجيال من العبودية طمست هوية الإنسان وسحقت بشريته فأصبح حيواناً يقاتا بعضه بعضاً.
      وبكت السماء
      باقات شكر وتقدير لعمق قراءتك صديقي الشاعر القدير

      إعجاب

  3. ثورة جنون لا تمحيها الا اهازيج المطر
    رياح عاصفة هوجاء تقتلع المنازل من جذورها
    وطغات تحمل سياط التسلط تطارد الضعفاء بلحظة ضعف تجرجر ذيول الخيبة من تسلط الاقوياء نادمين من توكيلهم وانتخابهم كممثلين عنهم ولكن
    اعماهم حب المال فتناسوا الام البشر
    وغرفوا حتى اعياهم التعب
    فأورثوا ممالكهم لورثتهم الشرعيون
    والمسيرة مستمرة الى يوم الدين

    Liked by 1 person

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s