عصافير بيروت في قصر المنتزه

لا أدري كيف تمتزج مشاعري بين حنيني لبيروت وشوقي للاسكندرية. ها هي المشاهد تتسارع في جعبة أشواقي حنين الشوق إلى الاسكندرية على جدران بيروت بل أذكر بيروت بينما تتراقص في مخيلتي أروقة الاسكندرية. ما أروع أمواج البحر وهي تحمل رسائل العشق بين شاطئيهما فينتشي النسيم شعبا واحداً مترامي الأطراف.
نعم أنا مجنون فبيروت الساحرة تغوص في أعماقي عمق وجودي، ومنارة الاسكندرية تنير درب أحلامي إلى عشق أزلي. ألا تسمع معي تغريد عصافير بيروت في قصر المنتزه… ألا تعتريك أشواق محطة الرمل في ساحة البرج .
لا شيء يمنع الجنون لا شيء يسكت مخيلتي في أن تصرخ بِأَلَس من أن يعتريها هذيان اللحظة فأجدني متأبطا ذراع القمر في عمق الليل عائدَين من شارع صفية زغلول إلى محرم بك بكل أمان. ومضة عمر تأخذني مع صديقي من شارع الحمراء إلى سد البوشرية سيراً على الأقدام في ليل دامس بعدما نفذت نقودنا دون خوف أو وجل. لم يخف أهلنا، لم يلطموا ويقيموا العزاء لتأخرنا، لم يخافوا من قناص أو زارع متفجرة أو مصاص دماء شريف يكبر بعد كل رشفة. كانت الأرواح بريئة، والنفوس عامرة بالمحبة. هناك عند شاطئ المعمورة جلسنا نرتشف القهوة نمازجها عطر البحر ساعة الغروب . بل هنا في بيروت العتيقة اقترفت حبا طاهراً … صوت الأطفال يداعب الفضاء بضحكات البراءة، همس جارتنا يسمعه الجميع،  بائع الكحك في الاسكندرية كان يزعجني في البداية، لكنني أصبحت مدمناً على “شبابيكه” التي التهمها مع قهوة الصباح متستراً تحت غيمة سجائري.
الصور تختلط بين لبنان ومصر, الضباب الأسود يطغى … انهم يسرقون، يصادرون عمري، أعمار كل المواطنين. يريدون دفن حبي وقتل كل عاشق يتجرأ على عشق الجمال… إنهم يسرقون الحاضر ويرسلونه إلى الماضي إلى السلف ليعيدوا تصنيعه عند أبا جهل … صاحب ماركة التخلف المسجلة.
هم الموزعون في عصرنا.. أجود أنواع السلف تتوفر الآن في عبوات ناسفة…. هكذا يقول الإعلان
من يسرق المدينة؟
من يحيل الوطن إلى ركام ؟

من يقص رواية وطن جميل على جيل أرقته الحروب؟
من يصيغ الرمزية في الحاسوب إلى عشق وطن متجاوزاً أزيز الرصاص ؟
من سيعبر نهر الدماء ليسقي وردة يابسة عند ضفاف وطن مسروق؟

ومن سيرتق مشاعر أطفالنا المشوهة؟
هل أهذي؟ بل هل أصبحت عتيقاً في زمن الحروب ووباء المشاعر؟

شدني من حلمي صارخاً فارتج كياني عندما قال لي من كنت أعتبره جليلاً ببرود واصرار قبل الطوفان، ذاك الذي كنت أقدر مياه النيل التي رضعها :”سنحيلها ركاما, سندمر البد” وأصبح المكان كذلك حطاماً ركاماً ملوثاً بدماء الذين صلوا عليه صلاة الفناء بعد تصميم. جنون الإرهاب يصفع خد المدينة، بؤرة العنف توشم خدود أطفالنا وشم المجرمين. ويسقط ريش الحمام على أسطح المنازل فوق قطة تلعق دماء كنت أعرف أصحابها. سكبت عيناي دمعاً لصديق، قريب ابن وطن في مدينة عرفتها، قرية زرتها، نجع رشفت منه قصيدة ونثرتها متباهيا عند حقل ريحان قريب من قريتي في لبنان… تذكرت بائع ً”البريوش والقليطة” الذي كان معي في المدرسة ذاك الذي خرج ذات يوم باكراً مفعما برائحة مخبوزات أمه لينادي على أفواه الجائعين بصوت شاب يبحث عن مستقبل من تجارة شريفة “بريوش, بريوش”… يومها أردته رصاصة “مناضل” في سبيل الشيطان … لم يبق منه إلا الصدى متردداً بين أشلاء مدينة يردد آخر صيحاته ” ماما… ماما”
جنون الارهاب بأنواعه يسلب بريق الربيع يسقط زهر ذكرياتي بؤرة الصراع، يحترق الوجدان بين صدى المكبرين يهللون بعد كل مجزرة راح ضحيتها من يسعون في الأرض طلبا لرزق شريف… ويسقط مدماك آخر من برج احلامي.

هنا وجدوا ضالتهم في التكفير وهناك بالتضليل… هنا وهناك يعبث المؤمنون بذكراي، بأحلامي. في هذا الشارع كنت مع حبيبتي… لكن أين هو الشارع؟
الشارع كان مزدحماً برائحة الغاردينيا … انتصرت عليه رائحة البارود، هتك أزيز الرصاص نقاء صوت البلابل. تلاشى صدى فتاة قالت لي ذات طفولة أحبك، وخمدت براءة عهد جميل. رأيته يحترق ذلك الذي كان اسمه وجدان. خفت، ارتعبت فهمت متسلقاً درب ذاك الجبل، خلف القرنة السوداء انظر الى الصعيد أرمق مشاهد عرفتها من بعيد، مسجلا ذكرياتي على بقايا الثلوج علَّ همبابا يعود من غياب وينحت على أصل شجرة أرز بأنني كنت هنا وعشقت هناك بل كنت هناك ولا زلت أعشق هنا…. لا لم أعد أخاف من حزام واهن يفجر أحلامي لأنها منحوتة في صميم الوطن.

لم يعد لبنان هو لبنان ولا مصر هي مصر، لذلك أصبح حبي غريباً. ألف سلاح يتربص، ألف عقيدة تقطف ثمار الوطن وترميها في بؤرة الإرهاب والكراهية. ما عاد بامكاني أن أهيم في ربوع هذا الوطن أو ذاك دون صلاة الخوف. ما عدت أنتشي جمال الورود والأزهار على خد أسيل عند شاطىء البحر خوفا من تكفير وتلويح بالموت.

أي تلويح يا هذا وأنت ترتكب المعاصي في منطقة زاهدة… نعم أصبحت كل المناطق بؤر ايمان، والشوارع حكراً على عصابات الموت التكفيرية… نعم أنت كافر، أنا كافر…كلنا كفار إذا لم ننحنِ لمشرٍّع غريب دخل عنوة، ولم نولي الطاعة لأمير قادم من “تدميرستان”.

من هنا جئت.. من هناك عدت. عشقت هنا وهناك تحت ظلال عرش عظيم أرتشف شموخا من روافد إلهية… أنا أزلي أزل أمة كاملة… عتي كبركان ثائر بالشموخ والحرية… سأعود إليها في مدينة ما، بقعة ما بين مشرق ومغرب عربيين ولن أكفر عندما أقول بأنني إنسان حر أستحق العيش كريما.
10-1-2013

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s