إكليل حقارة

يعج سوق الخضار بأصوات النسوة اللاتي حضرن للتزود بما يكفي لمؤونة اليوم. الزوج سيعود منهكاً مزمجراً من يومٍ حافل بالتعب الجسدي والنفسي. سيكون الطعام الوسيلة الوحيدة لإسكاته وتهدئة ما به غضب جمعه من بستان الفقر والمذلة في وطن يعاني فيه الجميع. كذلك الأطفال سيقتحمون الدار ويحتلون طاولة الطعام بانتظار ما يسكت معدتهم واحتجاجاتهم قبل الأكل وبعده. كل سيدة تحاول اقتناص ما تيسر من الخضار قبل التوجه إلى سوق اللحم لتنجز مهمة عسكرية تمكنها من الفوز بقطعة تكفي الجميع.
تسترق كل سيدة النظر إلى ما في جيبها من دراهم معدودة قبل اتخاذ القرار السيادي في بذل المال الراكد في بحيرة ثروتها الجافة. عندما تكون إحداهن جائعة تشتري بشجاعة أكبر، في تهور كما قالت سميرة. دائما ما تفتخر سميرة بأنها تعلمت من الراديو أهم نصيحة في حياتها: لا تذهبي إلى السوق وأنت جائعة. تلك النصيحة جعلتها توفر بعض المال الذي مكنها من شراء إسوارة ذهبية، كلفتها ضرباً مبرحاً من زوجها الذي لم يتفهم فلسفة التوفير من أجل الزينة. لكنها لم تتوقف عن الفخر بإنجازها فكانت تعطي نصيحتها الذهبية إلى صديقاتها. اليوم هو دور صديقتها آية التي كانت متورمة العين، مزرقة الخد نتيجة مشادة كلامية مع زوجها الذي فاز بالجولة. لكن آية أصرت على أن زوجها قد اعتذر منها آخر الليل. ضحكت سميرة وقالت: لا بد أنه قد نال منك وطراً بعد الاعتذار… احمر خد آية الآخر وابتسمت بخجل أربكه صوت قريب: الله أكبر!
تناثرت أشلاء سميرة وآية، تبعثر الزمن في حضن اللحظة التي انسكبت في زجاجة الموت، اختلطت بالحزن، والفجيعة، بالرعب والإرهاب… زجاجة الأمن وزعت شظايا الإرهاب على رقعة كبيرة من الوطن. آية وسميرة تركتا أسرتين وأصحاب وأقارب في قارب الفجيعة يحرقهم الحزن كما حصل مع باقي الجثث. من يجمع الأشلاء؟ من يجرؤ على جمعها؟ من يعرف من؟
زوج آية سيعرفها من خدها الأزرق، زوج سميرة سيعرفها من اسورتها اليتيمة. سيعرفان أوصالاً وينزفان كل مشاعرهم الإنسانية لجمع جسد كان لساعات رمزاً لملاك الحب كيوبيد.
تسارعت أجهزة الدولة بعدما أيقظها صوت الانفجار من سبات عميق فبثت بياناً من البيانات المعدة مسبقاً لمثل هذه المفاجآت. الإذاعات ووكالات الأنباء تتسابق الخبر، وسائل التواصل تعصف بصور الخراب الذي غطى مساحة كبيرة من السوق اليومي بزخات من النجيع المتفجر، كما امتزجت الخضار واللحوم بأوصال وبقايا بشرية تفوح من بعضها رائحة شواء آدمي تقشعر لها أبدان الأحياء. فيما ضربت الشرطة طوقاً أمنياً منيعاً حول مكان الحادث. سيارات الإسعاف وعاملوها هم فقط من يخترقون هذا السور مع خبراء المتفجرات وضباط الأمن والمخابرات.
وسط هذا الزلزال الذي حصل منذ ساعتين وصل رجل يبدو عليه الوجل، حاول اختراق الطوق الأمني من عدة أماكن دون جدوى. نهره رجل أمن صلف فصرخ به: زوجتي بين القتلى وهي بحالة جيدة.
استغرب رجل الأمن وقال: لا أفهم، بين القتلى وبحالة جيدة!
الرجل: لا وقت للشرح، فليس لدي إلا قليل من الوقت.
رجل الأمن: لا وقت لدي لأحاججك. أغرب عن وجهي قبل أن اقبض عليك بتهمة تعطيل الأمن في ظرف طارئ.الرجل محاولاً الدخول: أنت لا تفهم، إنه أمر شرعي، لا وقت لدي، لم يتبق إلا سويعات.
في هذه الأثناء سقطت امرأة على الأرض وغاب رجل عن الوعي قرب رجل الأمن فيما العشرات ممن لم يتحملوا المشهد يغيبون عن الوعي. هم رجل الأمن بمساعدة الرجل والمرأة وهو في حيرة من اختيار الضحية الأحوج لمساعدته. استغل الرجل انشغال رجل الأمن وانطلق صوب جثة زوجته وأخذ يجرها من رجليها دون التأكد من موتها. دخل بها باب دكان وأغلق الباب من الداخل.
لمحه رجل الأمن فركض خلفه محاولاً فتح الباب، لكن الرجل كان أسرع منه في إقفال باب الدكان. اتصل رجل الأمن بالضابط الذي أرسل فرقة عسكرية لاقتحام المكان خوف أن يكون الرجل ارهابياً مزنراً بحزام ناسف أو ما شابه. فجأة فتح رجال الأمن الباب فوجدوا الرجل فوق جثة المرأة.
انتزعه رجل أمن من على المرأة فيما يغطيها رجل آخر بما تيسر ليستر عورتها. أخذ رجال الأمن يضربونه بقسوة وانتقام لفعلته فيما يقول بعضهم: لا بد أنه معتوه، من يفكر هذا التفكير الاجرامي في جثة ميتة بعد تفجير يدمي القلوب.
رد الرجل: تباً لكم هذه زوجتي وهذه خلوة شرعية. لا وقت لأخذ الجثة إلى المنزل ونكاحها هناك.
انصدم الضابط: ماذا؟ خلوة شرعية مع جثة ميتة في حادث اهتزت له ضمائر العالم.
الرجل: ألا تفهم بأن شيخنا قد أفتى بنكاح الزوجة الميتة خلال ست ساعات، ولم يفت الأوان بعد. أنا لا أقوم إلا بما حلل الشرع.
الضابط: أي شرع هذا الذي يفتي بعدم احترام الموت، ومن أجاز لمشاعرك أن تموت في حقل متأجج بالبكاء والنحيب؟ أليس من الأجدى أن تبكي حزناً على رفيقة عمرك؟
الرجل: أستطيع الحزن والبكاء لاحقاً، لكن لا أستطيع نكاح زوجتي لاحقاً.. ألا تفهم؟ انه النكاح الأخير قبل فوات الأوان.
جره رجل الأمن وهو يشتم ويلعن متشبثاً بفتوى شيخ مختل عقلياً ليفترس جثة هامدة كانت زوجته لساعات مضت، فيما الجثة المدنَّسة تلعن عمراً أهدرته مع زوج لم يفكر إلا باستغلال جسدها وسرقة حياتها بل يصر على اعتصار بقايا انسانيتها من جسد قتلته شظية إرهاب فقرر وداعها بإكليل حقارته.

 

نشرتها صحيفة المراقب العراقي بتاريخ 25 أيلول 2017

http://www.almuraqeb-aliraqi.org/2017/09/25/90431/

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s