الاستغفار

كان يجلس في خلوته في وسط غرفة وثيرة على سجادة عجمية تحت أضواء خافتة يتمتم ويتمتم فيما ابهامه يسارع الزمن في الضغط على عداد يذكره بعدد الاستغفارات أو التسبيحات وليحصي له عدد أشجار النخيل التي يضمها إلى روضته في الجنة التي بات شبه متأكد منها، لا تنقصه إلا الشهادة الطيبة كما يقول حتى يرفل في أحضان الحور العين بين نخيل وتالات.
مرت ساعات وساعات لا يسمح بها لأحد بالإقتراب مومئاً بيده أن لا يستعجلوه حتى ينهي ما هو فيه حتى دخل عليه أحد أمراء حربه وقال : نريدك في أمر جلل أيها الأمير.
نظر إليه بجدية ووقار وقال: تباً لك دعني أنهي ما ورطني به بالأمس. لا زلت بحاجة إلى بضعة آلاف من الاستغفارات حتى يغفر لي ربي زلتكم.
– لا يا سيدي فمثلك لا يحتاج إلى ذلك فأنت من نذر نفسه للجهاد.
= بل أحتاج إليه لأنني مسؤول عما تقومون به من تجاوزات تشدني إلى نار جهنم. بالأمس أمرتكم بذبح المرتدين ورجم بضع نساء متبرجات عاهرات.
– لقد فعلنا وقد كنت شاهداً.
ويا ليتني ما شهدت هذا الذبح، بل كيف سيرضى ربي ويوفقنا وأنتم تذبحون الكفار والمرتدين ذبحاً محرماً .
– بل كان حلالاً، ألم نكبِّر بأعلى أصواتنا وأمام الملأ قبل أن نجز رقابهم النجسة؟ ألم نتوضأ بعد ذلك لنغسل أيدينا من رجس شيطانهم؟ ألم نسجل ما فعلناه بالصوت والصورة بأحدث التقنيات حتى نري العالم نهاية المرتدين والكافرين ممن ذبحنا ليكونوا عبرة لمن لا يعتبر. بل لنزرع الرعب في وجه من تسوله نفسه للكفر.
= بلى، ولكنكم تخاذلتم في خطوات الشريعة فلم تشحذوا سكاكينكم بالمِسَنِّ الشرعي كي يكون الذبح رحيماً. نعم أنا من سيتحمل وزركم لأنني أميركم.
صمت قليلاً وقال: يجدر بك أن تستغفر ألف مرة عن كل من ذبحت بسكين لم يكن حاداً بما فيه الكفاية.
– لا تحمل نفسك أكثر من طاقتها أيها الأمير سنفعل في الدفعة المقبلة وفي كل الأمصار.
= ستفعلون أيها الكلاب بعدما أنزلتم الفيديو إلى كل المواقع وعلم الأمير المنافس بأننا لا نعير هذه المسائل الفقهية اهتماماً كافياً. بل جمعيات حقوق الانسان التي طالبتنا أن يكون الذبح رحيماً حتى لا نتعرض لضغوط دولية كما حصل مع الأسرى الذين حرقناهم بالمازوت بدلاً عن البنزين.
– لا يا سيدي الدول الكبرى لم تعترض على الذبح والحرق قط بل اعترضوا على التفرقة التي نمارسها في بعض الأحيان. أشاروا علينا أن نذبح ونحرق الجميع بالتساوي.
= سنتأكد من ذلك، كما سنعمم مواصفات الذبح الشرعي على فروعنا بعد الحصول على موافقة مجلس العلماء كي لا نسمح لأحد بالتشهير في أساليب تطبيق القصاص العادل الرحيم. لكن هنالك ما يزعجني.
– ما هو يا سيدي؟
= أشعر بأننا لم نعد نؤثر في الرأي العام كثيراً، علينا أن نكون مبدعين في إثارة نوع جديد من الرعب. لا ليس الرعب فقط بل تحطيم نوع جديد من المشاعر.
– لماذا يا سيدي؟
= الأوامر الصادرة من أصحاب الشركة المستثمرة التي تمولنا تفرض علينا تدمير كل المشاعر الانسانية وتحطيم كل القيم ونزع الإيمان حتى يصبح الجميع عبيداً للقادم الجديد.
– ماذا؟ ألسنا نحن الجدد؟
= عليك أن تفهم بأننا مقاولون فقط.
وأسدلت ستارة سوداء على باب الاستغفار.

من كتاب “يعيش النظام”

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s