تونس… أيقونة محبة

 تونس… أيقونة محبة وعربون وفاء

مع بداية شبابي حيث بدأت اكتشاف كتب التاريخ راوغتني عليسة بسحر مغامرتها فأحببت قرطاج، وبعدها برز حنبعل بمجده راسماً مجد تونس فرسمتها حلماً. راودتني فكر الإبحار إلى تونس التي سمعت من وصفها بالخضراء، لكن الطفل في ذاتي ركن إلى خباياه لضيق ذات اليد. لكن فريد الأطرش صدح “تونس أيا خضرا” فرندحت مشاعري طرباً لذاك الحلم. لكن اللحن ما لبث أن توارى مع ضجيج البشر وصخب الحياة. مرت الأيام ولم أرَ طيف عليسة أو خيال حنبعل إلى أن اتصل بي شخص من تونس لم يسبق لي التعرف عليه داعياً. ترددت بعض الشيء مفكراً، لكن الحلم القديم قفز مبعثراً ترددي حتى وجدتني ملبياً دعوة الأستاذ وليد استمبولي والأستاذة حياة الزرماطي باسم المكتبة الثقافية وجمعية أحباء المكتبة والكتاب من أجل مناسبتين في المكتبة الثقافية ومعرض الكتاب في سوسة.

حطت بي الطائرة وبي ألف سؤال عن تونس الثورة، الثقافة، الحرية والتاريخ. تونس اليوم ورحيق حنبعل بجذوره العريقة مروراً بالحقبة الرومانية والأغالبة فالاستعمار والاستقلال… فالثورة. ثورة حديثة فجرت ينابيع الثورات في الشرق والغرب العربيين. السؤال الأكبر الذي دار في رأسي لفترة طويلة يتمحور حول حيثيات ذاك الربيع التونسي الذي استحال خرفاً مدمراً عندما تحرك شرقاً. لم أكن أعرف إذا ما كنت سأجد جواباً أم لا.

طيبة الشعب، ثقافته، رقي التعامل والحفاوة التي منحني كانت باقة واحدة من المناقب استقبلتني على بساطها الخضراء. تألق جمالها في استقبال حافل من قلوب تدرك قيمة الثقافة ومعناها. كان لقائي الأول مع مجموعة شابة “عشاق المكتبة والكتاب”. مجموعة من الشباب الطموح المفعم بالحيوية والأمل والعطاء. كانوا فخورين بتونس عامة وسوسة خاصة، بل المدينة القديمة التي جلنا بها حجراً حجراً. سحر التاريخ وعبق الماضي يتلألأ من الأبنية البيضاء المحلاة بلون أزرق مزج البحر والسماء في آن. أليست سوسة جوهرة الساحل؟

سور المدينة الممتد لمسافة طويلة حماها من الغزاة قديماً ومن أعين الحساد حديثاً، بل من الحضارة الاسمنتية التي بدأت تنهش أطرافها ببشاعة. أخبرتني المدينة عن أمم وأجيال مرت بها تاركة بصمتها الحضارية في روح لا تموت. تلك البصمة رأيتها على وجه ترزية لا تخيط إلا ما هو تونسي أصيل، وبائعة بزاق لا تعرف إلا الأرض وحائك عجوز مازال يشد نوله إلى خيطان تونسية المنشأ. انتقلنا بعدها إلى دار المجموعة حيث دار حوار حضاري حول سبل الكتابة وكيفيتها أملاً أن يستشفوا من خبرتي ما يفيد. آمل أن أكون قد زودتهم بما يروي.
في اليوم التالي توجهنا إلى المنستير من أجل لقاء إذاعي مع الأستاذ محمد البدوي. صادف ذلك اليوم رحيل الزعيم الحبيب بورقيبة فكانت المدينة محلاة بالأعلام التونسية الحمراء يتوسطها جمع غفير بعلم ضخم يلتف حوله شباب حالم بمستقبل أفضل وحرية أوسع كثمار ثورة أججها شعب مثقف واعٍ همه بناء نفسه والوطن في آن. عدنا بعد أن انشينا من البحر وأطيابه في مطعم راق على وقع أمطار خفيفة أنعشت مني خلايا منهكة.

في المساء كانت اللقاء في المكتبة الثقافية في قراءة لروايتي “هنا ترقد الغاوية” قدمها الأستاذ سامي العقاب أتبعها حوار ونقاش مع باقة من المثقفين والأدباء الذين أثراني حضورهم. بعد ذلك أخذني الأصدقاء في رحلة حول المدينة أكتشف طرقاتها المنظمة وأرقب تحركات روادها. وشاءت الأقدار أن أتذوق “اللبلابي” مشاركاً في تقطيع خبزه… لكن كان للفلفل حرارة ناغشتني أياماً.

اغتنم صديقي صباح اليوم الثالث وطار بي إلى المهدية عبر كروم الزيتون وكثافة الأمطار والأشجار القديمة  التي تعج بها الطريق مع خضار فتي يتأجج في براعم الربيع التي تغطي كل مكان. المهدية تركن ساكنة على تاريخ يكتب البسمة على الشفاه العابسة. في أسواقها القديمة يكتشف الانسان حلماً تاه منه في جعبة النسيان. حملت حلماً قديماً كنت نسيته بين دفات الحياة وعدنا إلى معرض سوسة الدولي للكتاب حيث كان لقائي الأخير مع عالم الأدب فقدم الأستاذ معز نعيجة قراءة وافية لمجموعتي القصصية “يعيش النظام” تلته مناقشات أدبية وثقافية.

ركبت الطائرة صباح اليوم التالي بعدما ودعت سوسة متسللا بين قطع من الليل إلى مطار قرطاج.  لكن من من أنا؟

لم أعد أعرف من أنا بعد كل هذه الحفاوة من الأرض الخضراء والشعب الساحر الذي ضمني إليه بعفوية المحبة وسحر اللقاء. بعد زيارة المدينة القديمة والمكتبة الحديثة … بل مراقبتي لمجموعة الأطفال التي كانت تحج إلى معرض الكتاب مع زرافات من كل الأعمار. ياه، لقد عرفت الآن لماذا لم يتحول ربيع تونس إلى خريف.

لم أرَ عليسة أو حنبعل، لم يقابلني الأغالبة، لكنني شعرت بدقات قلوبهم تصدح أملاً ومجداً في كل كيان قابلته. قرأت في كل وجه صفحة من صفحات الثورة القائمة على الفكر والعمل لتحقيق الأمل من أجل مستقبل واعد. كلهم تركوا بصمة في كياني حملتها معي إلى بلاد الأرز أيقونة محبة وعربون وفاء.

هناك بقيت وعدت حاملاً تونس في وجداني.

                                                                                    محمد إقبال حرب

                                                                                                                                 10 نيسان 2017

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s