الغير وإشكالية تحديد الأنا في قصة: أنا وهو

الدكتورة مينة قسيري *

محمد إقبال حرب، روائي وقاص وشاعر لبناني استطاع أن يستجمع مادة غنية لاشتغاله في مجال السرد، خانة الإبداع، فاختلط في كتاباته الوجداني بالواقعي بالسياسي بالفلسفي.. لدرجة أثناء القراءة له تحس وكأنك أمام خليط منظم بالفعل من كل هذه الروافد، وهو الشيء الذي سماه الناقد المغربي عبد الفتاح كليطو بثقافة النص.

ولا غرابة أن يصادفنا في قصة «أنا وهو» المتضمَّنَة في مجموعته القصصية، موت شاعرة إلى جانب أكثر من عشرين قصة قصيرة. حكي ممزوج بمنظور فلسفي محض، وهو مفهوم الغير وعلاقته بالأنا. في متواليات سردية مترابطة بدقة، تؤسِّسُ للقاءٍ بين طرفين السارد والآخر، ليدخلا في حوار ينتهي بحسرة على وطن يُقتل جهالة. مما يُحيلنا على إشكالية كونية تتحدد في الجدل حول العلاقة الوجودية بين الأنا والآخر،  أنا وهو. ما معناه الغير في دلالته على الآخر الذي يتميز عن الذات عرقيا أو حضاريا أو اجتماعيا بالسلب، هذا التميز الذي يحدو بالذات حذو اتخاذ مواقف قبلية من الآخر في الغالب تُجسد الرفض والإقصاء والاحتقار والرفض والكراهية.. و «هو» الغير الذي يعرفه سارتر بأنه: « الغير هو أنا آخر « ، يعني الآخر المماثل لي « الأنا الذي ليس أنا « لكنه مختلف عني في نفس الآن، يحددني لكنه ليس أنا. ومن خلال بنية السلب هذه تعي الأنا ذاتها.

إن القاص يضع بين أيدينا إشكالا من نوع خاص ينهل في البحث عن حلوله من روافد عدة، وقد تسبب في خلق العديد من المشاكل التي تعيشها الإنسانية،  لأن الأشخاص سقطوا في متاهة صار يصعب إيجاد مخرج منها، فقد افتقدنا مكون الحوار الخالي من الخلفيات الموجبة للتوجس والترقب والحيطة، ولكنه مع ذلك حوار يفرض نفسه حين نقف أمام المرآة أو بتعبير أصح أمام الآخر « هو «، ونشرع مباشرة في البحث عن ذواتنا من خلاله. إنه التيه كما سيتبين لنا في رؤية محمد إقبال حرب.

– فما طبيعة العلاقة التي يمكن أن تجمع الشخص بالغير؟

– هل هي علاقة ذات بناء إيجابي موضوعي: تبادل الاحترام و الاعتراف بالوجود أم هي علاقةٌ ذات بناء سلبي نرجسي أو ذاتي: حقد، وكراهية، وتشدد، وصراع ضمني وظاهر؟

– ما هي الرؤية التي يقترحها القاص بهذا الافتراض المجازي للقاءٍ على هامش الحياة بين الأنا والغير؟

إن هذا الطرح يحيلنا على المنجز الوظيفي للبنية العاملية، وهو الإمساك بعامل الحكاية وضبط سلسلة العلاقات التي تربط بين الشخصيات من خلال أفعالها وهي مقاربة سيميائية للنص. فالسردية حسب غريماص تحضر في كل الأفعال والخطابات الإنسانية.

إن الفضاء الافتراضي هو بؤرة المدخنين، قارعة الطريق، أو المجال الذي يختاره المدخنون هروبا من فضاء يضج بالواقعية مركز التسوق أو المحل التجاري، والدخان كمؤشر فضائي يدل على توتر العلاقة الوجودية بين الرفض والقبول، أو بين الكوجيتو الديكارتي: «أنا أفكر إذن أنا موجود»، « عامل الذات «دون وساطة من أي وجود أخر،قد يكون له دور في وعيه بذاته، وبين كوجيتو سارتر لتعميق المفارقة «وجود الأنا في علاقته بوجود الغير». فالذات في القصة تعتقد أنها قادرة على تأكيد وجودها دون وساطة الغير، لأن الغير هو مجرد بؤرة للشك، لتبقى بؤرة المدخنين فضاءً تمتزج فيه الأشياء بالناس، تحترق فيه السيجارة كما تحترق آدمية الفرد في كفنه المغلق تماما. وتبقى الأنا سجينة عالمها الداخلي معتبرة أن الغير هو مجرد وجود افتراضي، أو لزوميته افتراضية لا ضرورة لها في حياته. وبالتالي إفشال كل المحاولات للتواصل مهما كانت العوامل المساعدة متوفرة.

فينتج عن هذا صراع العوامل حين يجمعها فضاء واحد، أو حين تجد نفسها في مواجهة من يتحدد وجودها من خلاله، فالعامل المرسل «السيجارة» يخلق رغبة التواصل أو الفضول عند عامل الذات الذي هو السارد «أنا»، لكنه لم يعلن عنها، بحثا عن سبيل آخر للاتصال بموضوع رغبته «الآخر» نديم السجائر، أو الغير، النظير المشابه لكنه أيضا المختلف والمتباين. وهذا التعارض أو هذه المفارقة تترجمها رقصات الدخان على قارعة الطريق – الحياة – في تعتيمها للمشهد القصصي، إلا أن الآخر كان مبادرا إلى تمكين الذات من موضوع رغبتها « نظر إليَّ وهو ينفث سيجارته في الهواء طرِباً ثم قال لي مستفسرا: أأنت من هنا؟ لكن لم يكن أقل منها توجسا.

نفثتُ دخان سيجارتي بعيدا عن لفافته خوف تشابك الأدخنة وقلت: أأنت من هناك؟ «

فالذات الساردة متوجسة من موضوع رغبتها، والسيجارة ممعنة في دعم الحاجة إلى التواصل، إضافة إلى أن الفضاء مؤَثَّث بوجود موضوع تتوفر فيه كل موجبات التفاعل، اللغة أو السنن المشترك، الحواس، السماع، الكلام، النظر.. هذه القيم إضافة إلى خاصية إدمان التفكر في حضرة السيجارة، وفي عزلة عن العمار لاكتمال الانتشاء.. مؤشراتٌ أسهمت في خلق الرغبة في التواصل، أو الفضول الطبيعي المدجج بالحذر لدى العوامل، عامل الذات وعامل الموضوع. ويمكن اعتبار دخان السيجارة العامل المرسل هنا كترميز لعنصر التفكير الديكارتي، الآخر هنا لكن وجوده غير مثبت لدَيَّ، قد يكون أي شيء آخر لكني في غنى عن تواجده لإدراك ذاتي، فتنجلي في المسار السردي معيقات من مثل الإنكار، التعنت، الجنوح التام نحو خيار عدم الاعتراف بالوجود رغم تواجده الفعلي كجوهر مفكر، « أجاب واثقا ورد سائلا .. كان قريني أدهى .. فقلت مربكا .. نظر إِلَيَّ ببرود .. ركلني بسؤال لئيم «.

إن « أنا وهو « قصة الذات والذات المضادة مما يفرض اعتبار الترسيمة السردية مكونة من مسارين سرديين يخصان الذات الساردة « أنا « والذات الأخرى، وهما المتحركان داخل الحكاية  . وهذا الصنف من الشخصيات يتحدد بعلاقاته لأن كل واحدة منهما تبحث عن أجوبة لتساؤلاتها عند الأخرى، وهي علاقة التواصل وتداول الموضوعات، ومما يُفْتَــرض أن يقدم المساعدة للطرفين كالرصيف، وقارعة الطريق، أو بؤرة المدخنين، العوامل المساعدة هي نفسها المعيق لأنها مزار للكل دون أن يكون بينهم تعارف سابق، عوامل مختلفة الرؤى، أو مجرد أشكال تشبه شكل الذات، تملأ فضاءها ولا حاجة لها بإنسانيتها.

«إن الرهان الذي تقود إليه هذه المواجهات يتكون من موضوعات قيمة مرغوب فيها من طرف قطبي الصراع على حد سواء، وتختصر نتائج هذه التحويلات في انتقال المواضيع من ذات إلى أخرى، والمواجهة يمكن اختصارها من خلال نتائجها … إنه بعدَ المواجهة ستجد إحدى الذاتين نفسها بالضرورة في انفصال عن موضوع القيمة، في حين يكون خصمها في اتصال معه»   .

   و قد تنفصل كلاهما عن موضوع القيمة « لم أعرف اسمه كما لم يعرف هو اسمي. لم نستشف خبايا الوجوه من سعادة أو تعاسة… لم أعرف إن كان يحب القهوة أم الشاي، إن كان مثقفا أم جاهلا. عائلا أم وحيدا… صحيحا أم مريضا» إن هذه المواجهة لحظة محورية في الترسيمة السردية وحاضنة للفكرة التي يتطلع القاص إلى إماطة اللثام عنها، مع أن العوامل لم تكن مساعدة بالقدر الكافي، والمعيق الأساسي والرئيس كان نفسيا اخترق العقد الاجتماعي بين الأشخاص باعتبارهم ذوات تتكامل فيما بينها، ومن أولوياتها إنسانيتها، بعيدا عن الانسياق وراء فكرة اعتبار عامل التعددية الإثنية أو العرقية، والتعددية الدينية مثيرا للتنافر وتشنُّج الحوار، « لم أهتم لشيء من إنسانيته..كما لم يهتم هو بشيء مما سلف. كان جل اهتمامي تصنيف هذا الشخص في أعماقي الكريهة وقد نجحت «. عامل الذات وعامل الموضوع كل منهما عمل من زاويته على إفشال البرنامج السردي، بمحاولته تشييء الآخر حتى تَشُلَّ من إمكاناته. فقد صار العنصر البشري آخر الاعتبارات الممكنة، وعندما نرغب في تحديده نٌحدِّده بالشمال والجنوب، هنا وهناك، سنة وشيعة..، مع أن الجدل الفلسفي في عمقه يخلق هذا الصراع لكي تحقق الأنا وعيا بذاتها كذات حرة ومتعالية. لكن دون أن تتجرد من علاقتها الأنطولوجية بالغير.

استند السارد إلى الرؤية مع أو المصاحبة واستعمال ضمير المتكلم بحيث تساوت معرفته بمعرفة الشخصية. وحدود هذه المعرفة ما ظهر للعيان وفسرته البديهة، « سمعت جوابه باحتراس… أجاب واثقا… لكنْ عفْريتا جال في رأسه… لكن قريني كان أدهى… «. إن حضور الغير في تجربة الأنا حضور ضروري، ولن يتحقق التوافق الباطني بين الذات والآخر إلا بالانفتاح عليه في إطار حياة مشتركة تجمع بين الذوات، خاصة وأنهم متواجدون على أرض الواقع، يعبُرون في إطار سلسلة من التجارب والظروف وتجمع بينهم نقط تشابه عديدة تفترض التفاعل بعيدا عن أية اعتبارات إثنية أو جغرافية أو انتماءات أو تبعية عمياء لهذا أو ذاك.

حاول السارد أن يقبل عرض الانخراط في برنامج حواري، لكنه أعلن فشل الحوار منذ البداية حين تحاشى تشابك الأدخنة، « نفثت دخان سيجارتي بعيدا عن لفافته خوف تشابك الأدخنة «، وقد وضع الزمن ضمنيا في المحك كما فعل أيضا مع عنصر المكان في بداية القصة. إن زمن الرغبة كامن وممتد في لاوعي الشخصية، فهي منقادة رُغما عنها من طرف رغبتها، وللاستجابة لها يفرض الزمن حيثياته، ولا يسمح بتجاوزه، بدايته الفعلية كانت عند مبادرة الآخر بالسؤال، وقد تحقق في ثنايا تبادل الأسئلة ومحاولات الانتصار للذات التي أبانت عنها العوامل، ونهايته القسرية كانت باحتراق قامة السيجارة. دون أن يتحقق الهدف السامي من تواصل الأشخاص في ظل هيمنة أكذوبة الاختلاف الداعي إلى التعصب، وتجاهل الروابط الإنسانية.

إن الاستجابة للرغبة، وقبول الدعوة للحوار، وتعمير الفضاء الذي تَمَّ خلقه خِلسة من فضاء آخر المفروض أنه مركزي، كما رأينا سابقا  وتحويل الزمن السَّطري في سيره الحثيث نحو خاتمته، إلى زمن ذاكري يوقف اللحظة ليسجلها دليلا على انتكاس القيم، وسلسلة الأفعال التي أنجزتها الذوات، في إطار بنية تواصلية تحرَّكت داخلها.. كل هذه العناصر شكَّلت صيرورة السرد القصصي، والتي نتجت عن تعقب السارد سكنات وحركات موضوع رغبته، في محاولةَ لتقييم مدى ارتباكه أو ثقته بنفسه، متى ثباته أو غير ذلك.. إلى نهاية اللقاء.

إن زمن الاستجابة للرغبة، انطلق منذ مغادرة مركز التسوق، لكنها صارت رغبة مضاعفة بحضور الآخر الذي يعكسنا، ويثير شهوة الفضول فينا، لكن ولشدة خوفنا من اكتشاف ذواتنا نحْذره، ونتوَجَّس من ذكائه وقدرته على سبر خبايانا، وفي ثنايا هذا الصراع غير المعلن تحَقَّق مكون الزمن في القصة، وانتهى عند مغادرته والندم على إبقاء المسافة فاصلة وكبيرة بيننا وبينه.

أراد القاص في هذا النص نبذ مفهوم الغريب في العلاقات الإنسانية *، وإقصاء الاعتبارات التي لن تُفسد الود بقدر ما قد تُغني الحياة لتنوعها، فالغرابة نوع من العمى الذي يُخفي عن الإنسان قيمه وهويته كنوع بشري خلق ليتكامل ويتسامح ويتواصل ويتفاعل، وهي أيضا دعوة لإقصاء طائفة لحساب طائفة أخرى، والحضور التعسفي لهذا الغريب في القصة أحدث نوعا من اللاتوازن عند الشخصية الرئيسية التي جعلت الفضاء مشحونا، والزمن مُحاصرا بعمر سيجارة صغيرة. إن الخلوص لنهاية الحدث يعرض الرغبة في خلق عالم تجمع بين أفراده علاقات إنسانية، أو الرغبة في التأسيس لعلاقة يسودها الاحترام قبول المختلف، لأن الذات لا تستطيع العيش معزولة بل إنها في حاجة دائمة إلى الآخر ترتبط به في إطار علاقات تحترم غيريته بقدر ما يحترم هو الآخر غيريتها أو خصوصياتها التي تميزها.    

 وفي ختام هذا التناول نعود للقاء الذي اختلقه القاص على هامش الحياة بين الذات وموضوع رغبتها في تحقيق وجودها، والتواصل بهدف حصولها على موضوع القيمة، وقد وقفنا على حقيقة أن رغبة التواصل وتبادل الموضوعات هي طبيعة وجودية عند الإنسان لأنها تعينه في معرفة أخطائه ووعيه بذاته، الذي لا يكتمل إلا بمروره عبر الغير كوجود مزدوجٍ لهُ دلالتُهُ المَعنوية التي تُحيلُ على الوعي ولهُ دلالتهُ المادية التي تحيلُ على الجسد أو ما هوَبراني في مقابل ما هوَ جواني. وإذا كانَ الجسد كمثير هو ما يسمحُ بالتواصل، فإن الفكر الجواني الذي يتبلورُ داخل الذات هُوَ ما قد يعرقلُ أي تواصلٍ مع الآخر بالشكل السليم كما رأينا في القصة، فالفكر ليست مصدره الحواس فقط كما قال جان لوك أو مصدره العقل وحده كما ذهب إلى ذلك ديكارت، بل هوَ أيضا هذا كله إضافةً إلى عواطف ووجدان و شعورٌ بالانتماء، ولهذا فإن أي تنشئةٍ اجتماعية لا تُربِّي العقل على التدخل بما يحقق التوازن بين الذوات ككائنات اجتماعية، قَدْ تجعلُ نمطَ تفكير الأنا يُصْبحُ آفة على الوجود الإنساني وَيُهدِّدهُ بتمزيق الجسم الجماعي. ليسَ مطلوبا، أن يتلاشى الشخصُ في عالم الغير، بل عليه أن يحافظ على خصوصيته كما عبَّر عن ذلك هيدغر، لكنْ دون إقصاءٍ ولا انصهار.

إن المفارقة في النص هي أن القيمة المرجوة من الوجود معا في نفس الفضاء، وذات الحيز الزمني، لتحقيق رغبة مشتركة «الانتشاء بسيجارة بعيدا عن الملأ»، والتي توصل السارد في النهاية إلى أنها عوامل كانت مساعدة لتحقيق غاية الوجود الإنساني، تمت محاربتها والحؤول دون تحقيقها من طرف قيم مناقضة وهي التوجس، الحذر، وتوقع الإساءة من الآخر. ليبقى العقل متعثرا في مشروعه لتحقيق التوازن بين الذوات. وتحقيق أمن الوطن دون أي تصنيف يشيء الأشخاص: « وبالتأكيد عرفت في أية خانة سأصنف ابن الوطن هذا القادم من هناك … عدو أم صديق، مؤمن أم زنديق.

وهكذا يُقتل الوطن.»   

(نشرت قصة «أنا وهو» في عدد 22 يناير/كانون الثاني، 2016، في ملحق الدستور الثقافي)

* ناقدة من المغرب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s